
انهيار “الميكانيزم” يفتح الباب لاتفاق جديد: الحرب تعيد رسم قواعد الاشتباك في لبنان
انهيار “الميكانيزم” يفتح الباب لاتفاق جديد: الحرب تعيد رسم قواعد الاشتباك في لبنان
أدى تجدد المواجهات العسكرية إلى تعطيل آلية “الميكانيزم” التي كانت تشكل إطاراً لمراقبة تنفيذ التفاهمات على الحدود اللبنانية، ما يعكس تحولاً جذرياً في المشهد الميداني والسياسي مع تصاعد العمليات العسكرية. فقد خرجت هذه الآلية عملياً من الخدمة منذ اندلاع المواجهات الأخيرة، بعدما تجاوزتها التطورات على الأرض وأفقدتها قدرتها على أداء دورها الرقابي والتنفيذي.
ومع انهيار هذه الآلية، تراجع عملياً اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي كان يشكل أحد الأطر التنظيمية لوقف الأعمال العدائية، كما بات القرار الدولي 1701 يقتصر على شكله النظري دون تأثير فعلي على مسار الأحداث. وتشير المعطيات إلى أن المنطقة تتجه نحو صياغة تفاهم جديد يُرسم على وقع التطورات العسكرية، حيث أصبحت الوقائع الميدانية العامل الحاسم في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، برز توجه لدى الدولة اللبنانية لمحاولة فتح مسار سياسي يفضي إلى وقف القتال، من خلال مواقف صدرت عقب جلسة مجلس الوزراء مطلع آذار. وقد طرح رئيس الحكومة نواف سلام، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، فكرة الاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة بهدف إنهاء الحرب، في خطوة تعكس سعياً رسمياً لإيجاد مخرج سياسي للأزمة.
غير أن هذا التوجه يواجه تعقيدات كبيرة، إذ تتسارع التطورات الميدانية بوتيرة تفوق أي مسار دبلوماسي محتمل، بينما تبدو فرص إطلاق مفاوضات سياسية محدودة في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها. كما أن المقاربة الحكومية تقوم على قرار مجلس الوزراء القاضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، باعتباره مدخلاً سياسياً لإقناع المجتمع الدولي بدعم مسار التفاوض والضغط باتجاه وقف القتال.
وفي إطار هذه الجهود، بدأ رئيس الجمهورية سلسلة اتصالات خارجية بهدف تعزيز موقف الدولة اللبنانية وحشد دعم دولي قد يساهم في إطلاق مسار سياسي يفضي إلى وقف الحرب. إلا أن المؤشرات الدبلوماسية توحي بأن القوى الدولية المؤثرة لا تنظر إلى هذه الخطوات بوصفها بديلاً واقعياً عن المسار العسكري الذي تسلكه إسرائيل حالياً.
وتشير التطورات على الأرض إلى أن المواجهة تتجه نحو مزيد من التصعيد، خصوصاً بعد الإنذارات التي صدرت لسكان مناطق جنوب نهر الليطاني، بالتزامن مع تحركات عسكرية توحي بإمكانية توسيع العمليات البرية في المنطقة. وفي المقابل، كثّف حزب الله هجماته الصاروخية باتجاه الداخل الإسرائيلي، في محاولة لإظهار استمرار قدراته العسكرية رغم الخسائر التي تكبدها خلال الأشهر الماضية.
وتفيد المعطيات بأن الحزب يولي أهمية خاصة للمواجهة البرية، باعتبارها المجال الذي يمكن أن يعيد تعديل ميزان القوى في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي. ويراهن على طبيعة الجغرافيا في الجنوب لإحداث تأثير ميداني يسمح بإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض معادلات جديدة.
ورغم أن مسار المعركة لا يزال في بداياته، فإن التقديرات تشير إلى أن المواجهة قد تستمر لفترة طويلة، في ظل اقتناع الطرفين بأن الحسم لن يكون سريعاً، وأن الكلفة العسكرية والسياسية ستكون مرتفعة قبل أن تتبلور أي تسوية محتملة.



