
لبنان في دائرة القلق الإقليمي: تأهّب حزب الله وتصعيد إسرائيلي يثيران مخاوف من توسّع الحرب
لبنان في دائرة القلق الإقليمي: تأهّب حزب الله وتصعيد إسرائيلي يثيران مخاوف من توسّع الحرب
يعيش لبنان حالة ترقّب حذِر في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع على خلفية الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وسط مساعٍ رسمية مكثّفة لتحصين الساحة الداخلية ومنع انزلاق البلاد إلى أتون مواجهة أوسع. وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أن أولوية الدولة تتمثل في حماية السيادة والأمن والاستقرار وتجنيب لبنان تداعيات الصراعات الخارجية، فيما دعا رئيس الحكومة نواف سلام اللبنانيين إلى تغليب المصلحة الوطنية وتفادي الانجرار إلى مغامرات قد تجرّ البلاد إلى مخاطر غير محسوبة.
بالتوازي، أعلن حزب الله تضامنه الكامل مع إيران قيادةً وشعباً، محذّراً من أن تداعيات ما وصفه بـ”المخطط العدواني” لن تقتصر على دولة بعينها، بل ستطال المنطقة بأكملها إذا استمر دون مواجهة. وأكد الحزب في مواقفه أن الصراع الدائر يتجاوز الملف النووي، معتبراً أن جوهر المواجهة مرتبط برفض وجود دولة قوية ومستقلة في المنطقة، قادرة على حماية ثرواتها وقرارها السيادي، على حد تعبيره.
على الضفة المقابلة، حافظت الجبهة الإسرائيلية على مستوى عالٍ من التصعيد، مع تعزيز الانتشار العسكري على الحدود الشمالية واستدعاء قوات احتياط تحسّباً لأي تدخل محتمل من الجانب اللبناني. كما صدرت تحذيرات إسرائيلية واضحة من احتمال انخراط حزب الله في المواجهة، مع التأكيد أن أي خطوة من هذا النوع ستقابل برد قوي. وتزامن ذلك مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن سيناريوهات تصعيد مفتوح واحتمالات توسّع المواجهة لتشمل الجبهة اللبنانية.
في ظل هذه الأجواء المشحونة، دخل حزب الله مرحلة تأهّب قصوى، مكتفياً بمراقبة تطورات المشهد الإقليمي، بينما تشير تقديرات سياسية إلى أن طهران تسعى إلى إظهار قدرتها الدفاعية في مواجهة الضربات، معتبرة أن المعركة بالنسبة إليها تحمل طابعاً وجودياً، خصوصاً مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية عليها. كما ترى تحليلات قريبة من محور حلفاء إيران أن المواجهة تتجاوز البعد النووي لتلامس مسألة تغيير موازين القوى في المنطقة.
وترافقت المخاوف من اتساع رقعة الحرب مع معلومات غربية متداولة في الأوساط اللبنانية تفيد بإمكانية حصول ضربة إسرائيلية ضد لبنان، سواء بالتزامن مع الحرب على إيران أو في مرحلة لاحقة، وسط تصاعد الغارات الإسرائيلية على بلدات جنوبية بزعم استهداف بنى عسكرية مرتبطة بحزب الله. هذا التصعيد عزّز المخاوف من ربط الساحة اللبنانية مباشرة بمسار الحرب الإقليمية.
إلى ذلك، أصدرت السفارة الأميركية في بيروت تحذيراً أمنياً دعت فيه رعاياها إلى مغادرة لبنان ما دامت الرحلات التجارية متاحة، كما نصحت بعدم السفر إلى البلاد، وخصوصاً إلى المناطق الجنوبية والحدودية ومخيمات اللاجئين والضاحية الجنوبية لبيروت. وأشارت إلى تعليق الخدمات القنصلية الروتينية والطارئة في ظل الوضع الأمني المتقلب، مؤكدة محدودية القدرة على تقديم المساعدة الطارئة للمواطنين الأميركيين داخل لبنان حالياً.
التحذيرات الأمنية ترافقت أيضاً مع مغادرة بعض الفرق الدولية العاملة في آليات المراقبة، في مؤشر إضافي إلى تنامي القلق الدولي من احتمال تدهور الأوضاع. وفي موازاة ذلك، برزت قراءة سياسية تفيد بأن الحرب الجارية قد تكون إما ضربة محدودة تتبعها عودة إلى طاولة المفاوضات، نظراً لكلفة المواجهة المرتفعة، أو بداية صراع طويل يمتد لأشهر ويعيد رسم توازنات المنطقة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على مصالح قوى دولية كبرى.
على الصعيد الداخلي، انعكست التطورات الإقليمية على ملفات لبنانية مؤجلة، بما فيها تحركات دبلوماسية وزيارات خارجية كانت مرتقبة، في ظل ضبابية المشهد. كما ألقى تباين المواقف الدولية بشأن دعم الجيش اللبناني بظلاله على مؤتمر الدعم المرتقب، حيث تشير مصادر سياسية إلى صعوبة التعويل على نتائج حاسمة، خصوصاً مع ربط بعض الدول أي مساعدات بمسار حصرية السلاح بيد الدولة شمال الليطاني.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية، وسط محاولة رسمية لاحتواء التداعيات ومنع انتقال المواجهة إلى الداخل. وبين تأكيدات رسمية بضرورة النأي بالنفس واستنفار ميداني يرفع مستوى الجهوزية، يبقى مستقبل الاستقرار اللبناني مرتبطاً بمسار التصعيد الإقليمي ومدى قدرة الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة ومنع تمددها إلى الساحة اللبنانية.



