
إبطال قانون استقلالية القضاء في لبنان يعيد الإصلاح القضائي إلى المربع الأول ويشعل الجدل الدستوري
إبطال قانون استقلالية القضاء في لبنان يعيد الإصلاح القضائي إلى المربع الأول ويشعل الجدل الدستوري
أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان بإبطال قانون استقلالية السلطة القضائية وإحالته مجدداً إلى مجلس النواب، ملف إصلاح القضاء إلى نقطة البداية، بعدما أطاح مساراً تشريعياً استمر لسنوات وأثار نقاشاً سياسياً وقانونياً واسعاً حول حدود استقلال القضاء في النظام اللبناني القائم على توازنات دقيقة بين السلطات.
القرار لم يُفهم كخطوة تقنية بحتة، بل حمل دلالات سياسية ودستورية عميقة، إذ أعاد فتح النقاش حول آليات تحقيق الاستقلال القضائي والجهة التي تمتلك الدور الحاسم في رسم معالمه، في ظل واقع يشهد تقاطعاً دائماً بين العمل القضائي والتأثيرات السياسية داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب حيثيات القرار الصادر بأكثرية أعضاء المجلس الدستوري، فإن التعديلات التي أُدخلت على القانون بعد رده من رئيس الجمهورية جوزيف عون لم تُعرض مجدداً على مجلس القضاء الأعلى، ما عُدّ مخالفة جوهرية لكون المجلس المرجع المختص بإدارة شؤون السلطة القضائية. كما اعتُبر تكليف وزير العدل عادل نصّار تمثيل مجلس القضاء الأعلى في لجنة الإدارة والعدل أمراً يتناقض مع فلسفة القانون الرامية إلى تحصين القضاء من أي وصاية سياسية أو تدخل من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
دستورياً، رأى المجلس أن الصيغة التي أُقرت تضمنت ثغرات تمس بمبدأ فصل السلطات وتوازنها، وقد تسمح بتداخل في الصلاحيات من شأنه إضعاف استقلال القضاء بدل تعزيزه، في إشارة واضحة إلى ضرورة إشراك الجسم القضائي بصورة فعلية في أي إصلاح يطال بنيته التنظيمية وصلاحياته.
القانون المُبطَل كان قد تضمن تعديلات وُصفت بالجوهرية، أبرزها اعتماد انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى من الهيئات القضائية، مع إبقاء تعيين ثلاثة أعضاء حكميين من قبل الحكومة من بين مرشحين، إضافة إلى توسيع صلاحيات المجلس في إعداد التشكيلات القضائية، مقابل استمرار توقيع المراسيم عبر المراجع السياسية المختصة. إلا أن هذه الآلية أثارت تحفظات في الأوساط القضائية التي اعتبرتها استمراراً لنفوذ السلطة السياسية داخل القضاء.
مصادر قضائية شددت على أن الاستقلال الحقيقي يقتضي انتخاب كامل أعضاء مجلس القضاء الأعلى من القضاة أنفسهم، ومنح المجلس صلاحية إصدار التشكيلات القضائية بشكل حصري، إلى جانب إقرار استقلال مالي كامل للسلطة القضائية وتفعيل أجهزة الرقابة الداخلية، ولا سيما التفتيش القضائي والمجلس التأديبي، لضمان نزاهة الأداء القضائي واستقلال قراراته.
سياسياً، يضع القرار مجلس النواب أمام تحدٍ دقيق يتمثل في صياغة قانون جديد يحقق توازناً بين مطالب القضاة وضغوط التوافق السياسي بين الكتل النيابية، في ظل انقسام واضح حول مدى استقلال القضاء وحدوده. وتبرز مخاوف من أن يتحول هذا الملف إلى ساحة تجاذب طويلة الأمد، نظراً لما يمثله القضاء من عنصر أساسي في منظومة التوازن داخل النظام اللبناني.
من جهته، اعتبر الخبير الدستوري سعيد مالك أن إبطال القانون شكّل تصويباً لمسار تشريعي خالف أحكام المادة 20 من الدستور وتجاهل الدور المحوري لمجلس القضاء الأعلى في إعداد القوانين التي تنظّم شؤون السلطة القضائية، مشيراً إلى أن القرار حدّد مكامن الخلل القانونية التي قد تؤدي إلى المساس بمبدأ فصل السلطات وإضعاف استقلال القضاء.
وفي المقابل، لقي القرار ترحيباً من نادي القضاة في لبنان الذي وصفه بالتاريخي، معتبراً أنه أعاد التأكيد على القيمة الدستورية لاستقلال السلطة القضائية وكشف ما عدّه تعدياً تشريعياً على صلاحيات القضاء عبر إقصاء مجلس القضاء الأعلى عن التشاور في قانون ينظّم شؤونه، داعياً إلى إقرار قانون جديد يضمن استقلالاً إدارياً ومالياً فعلياً وفق المعايير الدولية المعتمدة في الأنظمة الديموقراطية.
وبذلك، لم يُسقط القرار مبدأ استقلال القضاء بحد ذاته، بل أطاح بالصيغة التي طُرحت لتنظيمه، لتبقى معركة إقرار استقلال قضائي فعلي في لبنان مفتوحة بين مطالب القضاة بالإصلاح الشامل وحرص القوى السياسية على الحفاظ على توازن النفوذ داخل مؤسسات الدولة.



