
لبنان بين «الميكانيزم» والممر الاقتصادي: انخراط إقليمي يثير أسئلة حول التوقيت والسيادة
لبنان بين «الميكانيزم» والممر الاقتصادي: انخراط إقليمي يثير أسئلة حول التوقيت والسيادة
تتكثف في الآونة الأخيرة التحركات الدولية المرتبطة بلبنان، من ملف الترسيم البحري إلى مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي، في مسار يضع بيروت أمام خيارات سياسية واقتصادية حساسة في توقيت داخلي وإقليمي معقّد. وفي هذا السياق، برز اهتمام فرنسي بدفع لبنان نحو الانضمام إلى مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، وهو مشروع تشارك فيه إسرائيل بشكل مباشر، ما أضفى على الطرح أبعاداً سياسية تتجاوز الإطار التجاري.
الاهتمام الفرنسي تُرجم بزيارة الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إلى المبادرة، جيرار ميستراليه، في خطوة وُصفت بأنها استكشاف لإمكان إدماج لبنان في هذا المسار. وتراهن باريس على الموقع الجغرافي للبنان على البحر المتوسط كبوابة طبيعية للمشرق، مع تركيز خاص على تطوير مرفأ بيروت ليكون محطة أساسية ضمن شبكة الربط التجاري الجديدة.
في المقابل، أبدت السلطات اللبنانية استعداداً مبدئياً لبحث الانضمام، على أساس وعود بتعديل مسار الخط بحيث لا يمر مباشرة عبر إسرائيل باتجاه لبنان. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات حول مدى قدرة فرنسا على إحداث تغيير جوهري في مسار مشروع يحظى بدعم أميركي واسع، وحول انعكاسات ذلك سياسياً في ظل استمرار التوتر مع إسرائيل.
ويأتي هذا المسار بالتوازي مع جمود ملحوظ في عمل لجنة «الميكانيزم»، ومع تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بملفات السلاح والإصلاح وإعادة الإعمار. كما يتقاطع مع مواقف صدرت عن رئيس الجمهورية جوزاف عون عكست انفتاحاً على مقاربات جديدة في إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي، في إطار سعي معلن لتحييد لبنان عن صراعات المنطقة.
وقبل طرح الانضمام إلى الممر الاقتصادي، كان لبنان قد أنجز اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص بعد سنوات من التعثر. الاتفاق الذي تم بسرعة قياسية أثار انقساماً داخلياً بين من اعتبره خطوة إيجابية تعزز الاستقرار القانوني للاستثمار البحري، ومن رأى فيه تنازلاً غير مبرر عن حقوق بحرية. ورغم الجدل، مضت السلطات في تثبيت الاتفاق، في ظل معطيات تشير إلى ضغوط أوروبية وأميركية لتسهيل المصالح الإقليمية المرتبطة بملف الطاقة.
غير أن هذه الخطوات لم تُترجم حتى الآن إلى مكاسب اقتصادية ملموسة للبنان، فيما خلّفت تحفظات لدى أطراف إقليمية معنية بالملف البحري. وفي موازاة ذلك، برز دور متنامٍ لقبرص كوسيط محتمل في أي مسار تفاوضي مستقبلي بين لبنان وإسرائيل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الثنائية، فضلاً عن مساعٍ مطروحة للمساهمة في ملفات إنسانية عالقة.
سياسياً، تبدو المرحلة الحالية محمّلة بإشارات إلى تحوّل تدريجي في الخطاب الرسمي، إذ لم يعد النقاش حول الهدنة أو صيغ التواصل غير المباشر مع إسرائيل من المحظورات كما في السابق، في ظل واقع إقليمي يتجه نحو إعادة رسم التحالفات تحت المظلة الأميركية. وفي هذا الإطار، تتواصل قنوات غير مباشرة بين الجانبين عبر آليات تنسيق قائمة، وسط حديث عن رغبة إسرائيلية في تطوير الحوار ليصبح مباشراً مع المؤسسة العسكرية اللبنانية.
يبقى السؤال المطروح داخلياً: هل يملك لبنان هامش المناورة الكافي للانتقال إلى مرحلة تفاوض مباشر في ظل استمرار التوتر الميداني والضغوط الاقتصادية؟ الإجابة لا تزال رهن توازنات إقليمية أوسع، لا سيما ما يتصل بالصراع الأميركي–الإيراني وانعكاساته على المنطقة. وبين حسابات الانخراط في مشاريع اقتصادية كبرى ومتطلبات الحفاظ على السيادة الوطنية، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة قد تعمّق الانقسام الداخلي بقدر ما تفتح أبواباً لفرص جديدة.



