مقالات

غارات البقاع تشعل رسائل التصعيد: ضغط إسرائيلي لإرباك الحزب ورفع الحرج عن الدولة اللبنانية

غارات البقاع تشعل رسائل التصعيد: ضغط إسرائيلي لإرباك الحزب ورفع الحرج عن الدولة اللبنانية

بقي المشهد اللبناني في حالة ترقب حذر رغم غياب التطورات الميدانية الكبيرة، فيما استمرت تداعيات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت منطقة البقاع وأوقعت خسائر بشرية بين مدنيين وعناصر في “حزب الله”، لتفرض نفسها كحدث مفصلي يتجاوز بعده العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وإقليمية معقدة، في ظل مناخ إقليمي متوتر واحتمالات تصعيد مرتبطة بالتوتر الأميركي – الإيراني.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الضربات جاءت في سياق يتخطى قواعد الاشتباك التقليدية، إذ ركزت على استهداف مواقع مرتبطة بالبنية الصاروخية ومراكز القيادة، خصوصاً بعد انتقال جزء من هذه القدرات إلى البقاع عقب الضربات التي طالت الجنوب في فترات سابقة. ويُنظر إلى هذه العمليات كجزء من مسعى إسرائيلي لمنع إعادة ترميم القدرات العسكرية، بالتوازي مع توجيه رسائل غير مباشرة بشأن خطوط الإمداد عبر الحدود السورية – اللبنانية، في إطار محاولة رسم معادلات ردع جديدة ميدانياً وسياسياً.

في المقابل، انعكست الغارات على الداخل اللبناني عبر زيادة الضغط على مؤسسات الدولة وإظهار محدودية قدرتها على ضبط مسار إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، ما ينعكس بدوره على النقاش الدائر حول حصر السلاح وتنفيذ المرحلة الثانية من الخطط الأمنية، إضافة إلى تأثير ذلك على التحضيرات الجارية لمؤتمر دعم الجيش في باريس والاجتماع التمهيدي المرتقب في القاهرة. وفي هذا السياق، دان رئيس الجمهورية جوزاف عون الاعتداءات، معتبراً أنها تشكل انتهاكاً واضحاً للسيادة اللبنانية وعرقلة مباشرة للجهود الدبلوماسية الهادفة إلى تثبيت الاستقرار وتطبيق القرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته لوقف التصعيد.

سياسياً، تُقرأ هذه الغارات ضمن سياق ضغط متعدد الأبعاد، لا يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية، بل يهدف أيضاً إلى إحراج الدولة اللبنانية ودفعها إلى مواجهة تحديات تتجاوز إمكاناتها الفعلية، في وقت تحاول فيه الحفاظ على المسار الدبلوماسي ومنع توسع المواجهة. كما يُعتقد أن تكثيف الضربات يسعى إلى استنزاف الحزب ودفعه للانشغال بالدفاع عن مواقعه، ما يقلّص هامش تحركه في حال اتسع نطاق المواجهة الإقليمية، خصوصاً إذا تطورت المواجهة المرتبطة بالملف الإيراني.

ميدانياً، أعلن “حزب الله” سقوط عدد من عناصره في الغارات التي طالت البقاع، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مناطق عدة، بينها محيط بعلبك وتمنين، وأدت إحداها إلى تدمير مبنى بشكل كامل، فيما سارعت فرق الإسعاف إلى نقل المصابين. ويعزز ارتفاع الكلفة البشرية من حدة التوتر الداخلي، وسط تقديرات بأن الضربات تحمل بعداً سياسياً موازياً للبعد العسكري، من خلال تكريس وقائع جديدة على الأرض تؤثر في النقاش الداخلي حول الأمن والسلاح ودور الدولة.

على خط موازٍ، تتجه الأنظار إلى الاجتماع التمهيدي المرتقب في القاهرة، حيث سيشارك وفد عسكري لبناني رفيع يضم قائد الجيش العماد رودولف هيكل ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، في إطار التحضير لمؤتمر باريس المخصص لدعم المؤسستين العسكرية والأمنية. ومن المتوقع أن يضم اللقاء ممثلين عن دول اللجنة الخماسية إلى جانب مسؤولين دوليين وأمميين، في محاولة لتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية وتثبيت الاستقرار في ظل الضغوط المتصاعدة.

وتشير أوساط متابعة إلى أن هذا المسار الدبلوماسي يهدف إلى تدعيم مؤسسات الدولة في لحظة دقيقة، بحيث لا يبقى المشهد الداخلي محكوماً فقط بالإيقاع العسكري. فبين تصعيد ميداني يحمل رسائل سياسية واضحة، ومساعٍ دولية لدعم المؤسسات الأمنية، واستحقاقات داخلية متشابكة، يتشكل واقع لبناني يبدو هادئاً في الظاهر لكنه مثقل بعوامل توتر قابلة للانفجار في أي لحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce