مقالات

مهلة ترامب لإيران تتقلص: خيار الضربة العسكرية يطغى على مفاوضات جنيف وسط تصعيد إقليمي

مهلة ترامب لإيران تتقلص: خيار الضربة العسكرية يطغى على مفاوضات جنيف وسط تصعيد إقليمي

تشير التطورات المتسارعة في ملف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تضاؤل هامش الحلول الدبلوماسية، بعدما وصف الإيرانيون نتائج جولة جنيف الأخيرة بأنها تقدّم، في حين اعتبرها مراقبون تقدّماً في مسار مسدود، في ظل غياب توافق حقيقي مع الموقف الأميركي. وفي سياق التصعيد، قلّص الرئيس الأميركي دونالد ترامب المهلة التي سبق أن حددها لإنهاء المفاوضات من شهر كامل إلى عشرة أيام، ما عكس توجهاً أكثر تشدداً تجاه طهران.

التقارير الإعلامية الدولية تحدثت عن احتمال اختصار هذه المهلة أكثر، لتتحول إلى ساعات، مع تداول معلومات عن استعدادات عسكرية أميركية لشن ضربات محتملة ضد إيران، قد تبدأ في أي وقت قريب وتستمر لأيام. ورغم ذلك، تشير المصادر إلى أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، فيما يواصل البيت الأبيض دراسة كلفة التصعيد ومخاطره، بالتوازي مع تحركات عسكرية احترازية تشمل إعادة تموضع بعض القوات الأميركية من الشرق الأوسط إلى أوروبا أو الأراضي الأميركية.

وفي موازاة ذلك، ترجّح تقارير غربية أن أي عملية عسكرية محتملة لن تكون محدودة، بل قد تأخذ طابع حملة واسعة تمتد لأسابيع، وربما تتم بالتنسيق مع إسرائيل، وبحجم يفوق العمليات العسكرية السابقة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ويعزز هذا الاحتمال الحشد العسكري المتزايد في المنطقة، مع وجود حاملة الطائرات الأميركية “إبراهام لنكولن” قرب إيران، وتوقع وصول حاملات طائرات إضافية خلال الأسابيع المقبلة، ما يعكس مستوى الجدية في التحضيرات العسكرية.

في المقابل، يسعى النظام الإيراني إلى تجنّب الظهور بموقع المتراجع أمام التهديدات الأميركية والإسرائيلية، متمسكاً بخطاب سياسي مرتفع النبرة، ورافضاً المفاوضات المباشرة مع واشنطن، مع الإصرار على دور الوسيط. كما ردّ المرشد الإيراني علي خامنئي على التهديدات الأميركية بتصريحات تصعيدية، مؤكداً أن القوة العسكرية الأميركية ليست بمنأى عن الضربات، في محاولة لتعزيز صورة الردع الداخلي والخارجي.

وعلى الصعيد الداخلي الإيراني، يرى خبراء أن النظام، بعد موجات القمع التي واجه بها الاحتجاجات الأخيرة، قد لا يحظى بالتفاف شعبي واسع في حال تعرّض لضربات خارجية، خصوصاً في ظل التدهور الاقتصادي الحاد واستمرار العقوبات. وتشير تقارير ميدانية إلى وجود رفض شعبي واسع لأي تفاوض مع السلطة الحالية، مع تصاعد حالة السخط المرتبطة بالأوضاع المعيشية الصعبة وتراجع مستويات الدخل وارتفاع نسب الفقر.

ورغم ذلك، يختلف الخبراء حول مدى قدرة الضغوط الاقتصادية على إسقاط النظام، إذ يرى بعضهم أن الأزمات المعيشية قد تؤدي إلى تجدد الاحتجاجات، لكنها لا تعني بالضرورة انهيار السلطة، مستشهدين بتجارب دول تعاني أوضاعاً اقتصادية أشد من دون تغيير سياسي جذري. في المقابل، يعتقد آخرون أن الاحتجاجات مرشحة للعودة حتماً، وإن كان توقيتها غير قابل للتحديد، نظراً لتعقيدات المشهد الداخلي وتوازنات القوى.

ويتفق معظم المحللين على أن الضربات الجوية وحدها لا تضمن تغييراً سريعاً أو مؤكداً في بنية النظام الإيراني، لكنها قد تضعفه عسكرياً وأمنياً عبر استهداف البنية التحتية وقواعد الحرس الثوري، ما قد يخلق بيئة ملائمة لاضطرابات داخلية جديدة. ويرى بعض الخبراء أن أي تغيير محتمل في النظام قد يفضي إلى سلطة أكثر انفتاحاً على الغرب، استناداً إلى المزاج العام لشرائح من المجتمع الإيراني قبل ثورة عام 1979.

في واشنطن، يبقى القرار النهائي مرتبطاً إلى حد كبير بشخص ترامب، الذي يكرّس وقتاً واسعاً لمتابعة الملف الإيراني، وسط نقاشات داخل الإدارة حول إيجابيات وسلبيات توجيه ضربة عسكرية. وتشير مصادر أميركية إلى أن مفاوضات جنيف دفعت الرئيس الأميركي إلى الاقتراب من اتخاذ قرار حاسم، قد يكون عسكرياً، في ظل مشاورات مكثفة مع مستشاريه وفريقه المعني بالملف.

وتبرز عدة عوامل تدفع نحو خيار الضربة، من بينها ما يوصف بالرغبة في تحقيق إنجاز تاريخي في الصراع مع إيران، إضافة إلى تقديرات حول ضعف النظام وأزمته الاقتصادية الخانقة وتراجع نفوذ أذرعه الإقليمية. كما تعزز تجارب سابقة، مثل العمليات الأميركية في ساحات أخرى، ثقة ترامب باستخدام القوة كأداة ضغط فعّالة.

في المقابل، تواجه الضربة المحتملة تحديات كبيرة، أبرزها المخاوف من الانزلاق إلى حرب إقليمية جديدة، ورفض شريحة واسعة من الرأي العام الأميركي الانخراط في نزاع عسكري إضافي. كما يطرح سيناريو “اليوم التالي” إشكاليات معقدة، سواء في حال سقوط النظام أو بقائه، فضلاً عن التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على إمدادات النفط والاقتصاد العالمي.

وبين تصعيد التهديدات العسكرية وتراجع فرص التسوية الدبلوماسية، يبدو أن مسار الأزمة الأميركية – الإيرانية يدخل مرحلة مفصلية، حيث قد تتحول مهلة الأيام التي حددها ترامب إلى قرار استراتيجي يرسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce