مقالات

جدل دستوري في سوريا: مرسوم العفو يفتح باب التساؤلات حول صلاحيات السلطة الانتقالية وآليات الرقابة

جدل دستوري في سوريا: مرسوم العفو يفتح باب التساؤلات حول صلاحيات السلطة الانتقالية وآليات الرقابة

أثار مرسوم العفو العام الصادر مع بداية شهر رمضان جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في الأوساط الحقوقية السورية، وسط تساؤلات حول مدى انسجامه مع الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية. واعتبر عدد من الحقوقيين أن إصدار المرسوم يشكّل تجاوزاً لنصوص الإعلان، لكونه يدخل ضمن صلاحيات غير منصوص عليها بشكل واضح، علماً أن كثيراً من المنتقدين لا يُصنّفون ضمن معارضي السلطة الحالية، بل يُنظر إلى بعضهم كقريبين من دوائرها أو مطّلعين على مسار إعداد الإعلان الدستوري سابقاً.

الجدل لم يقتصر على توصيف الخطوة بحد ذاتها، بل امتد إلى ما يمكن أن يترتب عليها مستقبلاً، خصوصاً في ظل غياب آليات واضحة لمعالجة أي خرق محتمل للنصوص الدستورية المؤقتة. ومع خروج عدد من السجناء استناداً إلى المرسوم رقم 39، بدا أن التراجع عنه مستبعد عملياً، ما أعاد طرح سؤال جوهري حول حدود السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية وإمكانية ضبط قراراتها قانونياً.

ويرى متخصصون في الشأن القانوني أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في مضمون المرسوم فقط، بل في غياب جهة مستقلة يمكن اللجوء إليها للطعن في دستورية المراسيم الصادرة عن السلطة الانتقالية، أو إلزامها بالتراجع عنها. فالإطار الدستوري المؤقت، وفق هذا الطرح، لا يتضمن آليات رقابة فعالة أو مؤسسات قادرة على كبح توسّع الصلاحيات، ما يفتح المجال أمام اتخاذ قرارات تتجاوز النصوص من دون مساءلة فعلية.

نظرياً، يُطرح العصيان الجماعي كأحد أشكال الاعتراض على أي تجاوز دستوري، غير أن هذا الخيار يبدو غير قابل للتطبيق في الواقع، نظراً لطبيعة البنية الإدارية والسياسية التي شهدت تغييرات واسعة في مواقع القرار والوظائف العليا. كما أن فكرة العصيان المدني الشامل تبدو مستبعدة في ظل الانقسامات العميقة داخل المجتمع، إضافة إلى تجارب سابقة لم تنجح في تحقيق هذا النمط من الضغط الشعبي حتى في ظروف كانت أكثر ملاءمة.

ويشير مراقبون إلى أن ضعف الأدوات السياسية المنظمة داخل البلاد يعود إلى إرث طويل من تفريغ الحياة السياسية خلال العقود السابقة، ما جعل المجتمع يفتقر إلى قنوات فعالة لممارسة العمل السياسي المنظم خلال المرحلة الانتقالية. كما أن تمكين المواطنين من استعادة دورهم السياسي لا يظهر، حتى الآن، كأولوية مركزية ضمن مسار المرحلة الراهنة، وهو ما ينعكس في محدودية النقاش العام حول القرارات الكبرى.

في المقابل، ينشغل معظم السوريين بالتحديات المعيشية والاقتصادية اليومية، التي تتصدر اهتماماتهم، في وقت تحافظ فيه السلطة على حضور إعلامي مكثف يوجّه الاهتمام نحو تفاصيل آنية، بينما تبقى القضايا البنيوية، وعلى رأسها الإطار السياسي والدستوري، أقل حضوراً في النقاش العام. ويرى محللون أن الفصل بين السياسة والاقتصاد غير واقعي، إذ إن تحسين الأوضاع المعيشية يرتبط أساساً بوجود مسار سياسي فعّال يسمح بالمحاسبة وصياغة السياسات العامة.

كما يلفت متابعون إلى أن التصور السائد لدى شريحة واسعة من السوريين يربط العمل السياسي بتجارب الثورة، وهو ما يجعل المجتمع أكثر حذراً من أي مسارات تصعيدية جديدة، نظراً للكلفة الباهظة التي ترتبت على التجربة السابقة. وبالتالي، لا يبدو خيار التحركات الثورية وارداً في المدى المنظور، ما لم تتعرض أساسيات الحياة لضغوط قصوى تدفع إلى انفجار اجتماعي قسري.

وفي هذا السياق، تُقابل المطالب السياسية المحدودة أحياناً بخطاب تشكيكي أو اتهامات بالتشويش على مسار المرحلة الانتقالية، فيما يجري توسيع دائرة التصنيفات السياسية والإعلامية لتشمل أطرافاً مختلفة، الأمر الذي يحدّ من النقاش الموضوعي حول السياسات العامة. وقد طاول هذا المناخ حتى تحركات مطلبية ذات طابع معيشي، مثل الاحتجاجات المرتبطة بارتفاع تكاليف الخدمات، التي جرى التعامل معها في بعض الأحيان من زاوية سياسية وأمنية أكثر منها اجتماعية.

خلاصة المشهد، وفق قراءات قانونية وسياسية، أن بنية السلطة الانتقالية الحالية تفتقر إلى أدوات داخلية وخارجية قادرة على ضبط التفرد بالقرار أو فرض رقابة مؤسساتية حقيقية. فلا توجد آليات شبه دستورية فاعلة، ولا إطار سياسي منظم يتيح الحد من أي تجاوز محتمل، في حين تبدو احتمالات التغيير الجذري محدودة في ظل غياب دينامية سياسية نشطة وخشية المجتمع من تكرار سيناريوهات الاضطراب السابقة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تتباين المواقف داخل الأوساط المؤيدة للسلطة بين من يميل إلى التقليل من أهمية الإشكاليات الدستورية واعتبارها مسائل ثانوية في مرحلة استثنائية، ومن يرى أن الحل يكمن في تعديل الإعلان الدستوري لتوسيع صلاحيات القيادة الانتقالية. وبين هذين الاتجاهين، يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو الاستمرار في إدارة الإشكالية عبر تجاهلها جزئياً أو إعادة تفسير النصوص القائمة، في ظل غياب توافق سياسي شامل على آليات رقابية واضحة تحكم المرحلة الانتقالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce