مقالات

أرقام الناخبين تُثير الجدل في لبنان: تزايد الفجوة الديموغرافية بين المسلمين والمسيحيين وانعكاساتها السياسية

أرقام الناخبين تُثير الجدل في لبنان: تزايد الفجوة الديموغرافية بين المسلمين والمسيحيين وانعكاساتها السياسية

أظهرت لوائح الشطب الصادرة عن وزارة الداخلية في الأول من شباط 2026 ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الناخبين المسلمين مقارنة بزيادة محدودة لدى الناخبين المسيحيين، قياساً بانتخابات عام 2022، ما دفع الأحزاب والقوى السياسية، ولا سيما المسيحية، إلى التدقيق في هذه المؤشرات وقراءتها من زاوية تأثيرها على التوازنات السياسية والطائفية في البلاد.

وبحسب الأرقام الرسمية، بلغ عدد اللبنانيين الذين تجاوزوا سن 21 عاماً والمسجلين على لوائح الناخبين نحو 4,141,103 ناخبين في عام 2026، مقابل 3,967,507 في عام 2022. ويُظهر التوزيع الطائفي أن عدد الناخبين المسلمين ارتفع إلى 2,758,330 بعد أن كان 2,594,667، أي بزيادة تفوق 163 ألف ناخب بنسبة تقارب 6.3 في المئة، في حين بلغ عدد الناخبين المسيحيين 1,373,310 مقارنة بـ1,363,098 في الدورة السابقة، أي بزيادة لا تتجاوز 10 آلاف ناخب وبنسبة تقارب 0.38 في المئة.

هذه الفوارق العددية تُعدّ موضع متابعة من قبل الباحثين، إذ يشير متخصصون في الإحصاء إلى أن اللوائح لا تزال قابلة لتعديلات طفيفة بعد عمليات التصحيح من قبل المعنيين والمخاتير، إلا أن الاتجاه العام يعكس مساراً ديموغرافياً مستمراً منذ سنوات، يتمثل في ارتفاع معدلات الولادات لدى المسلمين مقارنة بالمسيحيين، ما يؤدي تدريجياً إلى اتساع الفجوة العددية بين الفئتين.

وتشير دراسات ديموغرافية إلى أن قانون استعادة الجنسية الذي أُقر عام 2015 كان يُعوّل عليه لإعادة قدر من التوازن، وسط تقديرات سابقة تحدثت عن إمكانية استعادة مئات الآلاف من المسيحيين جنسيتهم، إلا أن عدد الذين تقدّموا واستعادوا الجنسية بقي محدوداً جداً، ما حدّ من تأثير هذا المسار على المعادلة الديموغرافية.

كما يُعزى جزء من الخلل الديموغرافي، وفق تقديرات بحثية، إلى مرسوم التجنيس الصادر عام 1994 الذي منح الجنسية لعشرات الآلاف، غالبيتهم من المسلمين، ما ترك انعكاسات طويلة الأمد على التوازن الانتخابي في الدورات النيابية اللاحقة. وعلى الرغم من أن الدستور اللبناني يكرّس مبدأ المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين، إلا أن التحولات الديموغرافية تبقى مؤثرة في النتائج الانتخابية، إذ يفوز بعض المرشحين المسيحيين بأصوات ناخبين من طوائف أخرى في عدد من الدوائر المختلطة.

ويربط أكاديميون ارتفاع عدد الناخبين المسلمين بعوامل متعددة، من بينها الفوارق في معدلات الولادات، إلى جانب تأثيرات الأزمة السورية والزيجات المختلطة بين لبنانيين وسوريات، فضلاً عن الهجرة الواسعة في صفوف المسيحيين، خاصة نحو دول لا تسمح بازدواج الجنسية، ما يحد من تسجيل الأجيال الجديدة في القيود اللبنانية. كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وعدم الاستقرار السياسي ساهما في تراجع نسب الزواج والإنجاب لدى فئات واسعة من المسيحيين مقارنة بالمجتمعات الأخرى.

في المقابل، يؤكد باحثون في الشأن السياسي أن مبدأ المناصفة في النظام اللبناني قائم على توافق تاريخي منذ نشأة الكيان اللبناني وتكرّس في اتفاق الطائف، وهو غير مرتبط بالمعايير الديموغرافية المتغيرة، ما يجعل أي تبدل عددي غير كفيل وحده بإحداث تغيير مباشر في البنية الدستورية أو في صيغة تقاسم السلطة.

وعلى المستوى الانتخابي، يُجمع عدد من الخبراء على أن الزيادة في عدد الناخبين المسلمين قد تؤثر في حجم الأصوات داخل بعض الدوائر، لكنها لا تعني بالضرورة انقلاباً جذرياً في النتائج، نظراً إلى طبيعة القانون الانتخابي الحالي الذي يراعي التوازنات الطائفية والسياسية. كما يحذّر البعض من توظيف الأرقام الديموغرافية في النقاش السياسي، لما قد يستدعي مطالب بتعديلات أعمق في النظام الانتخابي أو آليات التمثيل الطائفي.

من جهة أخرى، تعزو مصادر سياسية مسيحية بطء نمو عدد الناخبين المسيحيين إلى عوامل سياسية واجتماعية ونفسية تراكمت خلال العقود الماضية، بما في ذلك موجات الهجرة، وتراجع الثقة بالدولة، والظروف الاقتصادية القاسية، إضافة إلى تداعيات الحروب والاضطرابات التي دفعت شريحة واسعة إلى الاستقرار في الخارج. وتشدد هذه المصادر على أن الصيغة اللبنانية لا تقوم على مبدأ الغلبة العددية، بل على الشراكة والتوازن بين المكونات، معتبرة أن استعادة الاستقرار والسيادة قد تشجع عودة المغتربين وتسجيل أبنائهم، ما يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي تدريجياً.

ورغم القلق الذي تثيره الأرقام الجديدة في بعض الأوساط، تشير تقديرات سياسية إلى أن نسبة الناخبين المسيحيين لا تزال تقارب 33 في المئة من إجمالي الجسم الانتخابي، وأن أي تبدل مستقبلي يبقى مرتبطاً بالتحولات الاقتصادية والهجرات والظروف السياسية، أكثر مما هو مرتبط بتغييرات قانونية أو دستورية فورية، في ظل تمسك القوى الأساسية بمبدأ التوافق كركيزة لإدارة التوازنات اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce