
لبنان في «ستاتيكو القلق»: ترقّب الضربة لإيران يضع الدولة والانتخابات والأمن على حافة الاختبار
لبنان في «ستاتيكو القلق»: ترقّب الضربة لإيران يضع الدولة والانتخابات والأمن على حافة الاختبار
يعيش لبنان مرحلة دقيقة تتسم بترقب شديد للتطورات الإقليمية، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، ما يضع البلاد في حالة انتظار حذِر لأي مواجهة محتملة قد تنعكس مباشرة على واقعه الأمني والسياسي. هذا المشهد يضع الدولة، إلى جانب القوى السياسية الأساسية، أمام تحديات متشابكة، أبرزها الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتأمين الدعم الدولي، خصوصاً للجيش، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بملف السلاح شمال الليطاني والتحضيرات للاستحقاقات المقبلة.
وفي موازاة السعي الرسمي لإثبات القدرة على ضبط الأوضاع داخلياً وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، تبدو الحكومة أمام سباق مع الوقت لإقناع المجتمع الدولي بجدية الإصلاحات والإجراءات الأمنية، بالتزامن مع التحضير لمؤتمر الدعم المرتقب في باريس. غير أن هذا المسار يبقى محفوفاً بالمخاطر، إذ إن أي تصعيد عسكري في المنطقة قد يطيح بالخطط التدريجية التي تعتمدها الدولة لتفادي الصدام الداخلي، خصوصاً مع الحديث عن مهلة زمنية مطلوبة لمعالجة الملفات الأمنية الحساسة.
ويزداد التعقيد مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقررة في عام 2026، حيث تواجه الدولة معادلة صعبة بين إجراء الانتخابات في ظل توتر أمني متصاعد، أو تأجيلها بما قد ينعكس سلباً على شرعيتها السياسية. وفي هذا السياق، تتداخل الحسابات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية، ما يجعل الاستحقاق الانتخابي رهينة المناخ العام، سواء من زاوية الأمن أو الاستقرار السياسي.
ميدانياً، يعكس الجنوب اللبناني مؤشرات تصعيد متجدد، وسط مخاوف من تحوّله إلى ساحة ضغط ضمن الاشتباك الإقليمي الأوسع. وقد أدى استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية حي حطين في مخيم عين الحلوة، بثلاثة صواريخ، إلى سقوط قتيلين، في خطوة تندرج ضمن سياق الضربات المتواصلة. ويُعد مخيم عين الحلوة، الواقع قرب مدينة صيدا، أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، ما يضفي حساسية إضافية على أي تطور أمني داخله. وفي تعليق إسرائيلي، أشار الجيش إلى استهداف موقع تنشط منه عناصر مرتبطة بحركة حماس داخل المخيم، ما يعزز المخاوف من توسيع دائرة الرسائل العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
على الصعيد الانتخابي، برزت تعقيدات مرتبطة بملف اقتراع المغتربين، بعد رفض وزارة الداخلية طلب ترشح عباس عبد اللطيف فواز عن المقعد الشيعي في الدائرة 16 الخاصة بالاغتراب، لأسباب إجرائية تتصل بعدم فتح باب الترشح رسمياً في الخارج وتحديد آلياته القانونية والمالية. ويأتي هذا القرار في ظل حساسية سياسية متزايدة حول آليات تمثيل المغتربين، خصوصاً أن توزيع المقاعد على القارات وتحويل أصوات الاغتراب إلى عنصر مؤثر في التوازنات السياسية باتا محل تجاذب بين القوى المختلفة.
سياسياً، تعكس اللقاءات بين قيادات «الثنائي» الشيعي تمسكاً بتنسيق المواقف الانتخابية وخوض الاستحقاق النيابي ضمن رؤية مشتركة، حيث جرى التأكيد على تطابق المواقف حيال المرحلة المقبلة وضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي في مواجهة التحديات الأمنية والسيادية. كما تناولت الاجتماعات التطورات العامة في البلاد، إلى جانب الملفات التشريعية والانتخابية، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية.
إقليمياً، تبقى الأنظار متجهة إلى الموقف الأميركي، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يدرس إمكانية توجيه ضربة عسكرية محدودة لإيران، في ظل تعثر المسار الدبلوماسي المتعلق ببرنامجها النووي. وترافقت هذه التصريحات مع تقارير عن وصول التخطيط العسكري الأميركي إلى مراحل متقدمة، تشمل خيارات تتراوح بين ضربات دقيقة واستهداف منشآت حساسة، وصولاً إلى سيناريوهات تصعيد أوسع في حال فشل الجهود الدبلوماسية.
هذا الترابط بين الداخل اللبناني والتطورات الإقليمية يضع البلاد في موقع المتلقي لتداعيات القرارات الكبرى التي تُصنع خارج حدوده، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية والاقتصادية والانتخابية مع احتمالات التصعيد في المنطقة. وبين سعي الدولة إلى كسب الوقت وتجنب الانفجار، وتمسك القوى السياسية بضبط التوازنات الداخلية، يبقى لبنان في حالة ترقب ثقيل، تتنازعها رسائل الميدان والتجاذبات السياسية وانتظار ما ستؤول إليه المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران.



