مقالات

معضلة حسابات الحملات الانتخابية: كيف يترشّح الخاضعون للعقوبات في ظل قيود المصارف؟

معضلة حسابات الحملات الانتخابية: كيف يترشّح الخاضعون للعقوبات في ظل قيود المصارف؟

تلقّت المصارف التجارية في لبنان تعميمًا صادرًا عن مصرف لبنان يهدف إلى تنظيم آلية فتح الحسابات المصرفية الخاصة بالمرشحين للانتخابات النيابية، وذلك في إطار الالتزام بالقوانين الانتخابية التي تُلزم كل مرشح أو لائحة بفتح حساب مصرفي مخصّص للحملة الانتخابية، يُستخدم حصراً لإيداع التبرعات والمساهمات وتسديد النفقات، على أن تُرفق إفادة فتح الحساب بطلب الترشّح الرسمي. ويُعد هذا الحساب خارج نطاق السرية المصرفية، باعتبار أن المرشح واللائحة يتنازلان عنها حكماً بمجرد فتحه.

التعميم شدّد على ضرورة عدم امتناع المصارف عن فتح حسابات الحملات الانتخابية إلا لأسباب مشروعة، مستندًا إلى أحكام القانون رقم 44/2015 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى القرار الأساسي رقم 7818 الذي ينظّم مراقبة العمليات المالية والمصرفية. غير أن التفسير العملي للتعميم داخل القطاع المصرفي أثار إشكاليات حساسة، خصوصًا في ما يتعلق بالأشخاص الخاضعين لعقوبات دولية.

مصادر مصرفية أفادت بأن إدارات المصارف عمّمت على فروعها توجيهات واضحة تقضي بتفادي فتح حسابات للمرشحين المدرجين على لوائح العقوبات الدولية، حتى ولو كانت هذه الحسابات بالليرة اللبنانية ومخصّصة لإدارة الحملات الانتخابية، وذلك تفاديًا لأي تداعيات محتملة على علاقتها بالمصارف المراسلة في الخارج أو على التزاماتها الرقابية الدولية.

وتبرز هذه الإشكالية في ظل وجود شخصيات سياسية ونواب حاليين مدرجين على لوائح العقوبات، من بينهم جبران باسيل المشمول بعقوبات أميركية بموجب قانون ماغنيتسكي، وجميل السيّد وعلي حسن خليل اللذان يخضعان لإجراءات عقابية أميركية على خلفيات مرتبطة بالفساد وتقويض سيادة القانون، إضافة إلى إدراج النائبين محمد رعد وأمين شري على لوائح العقوبات بموجب الأمر التنفيذي 13224، المرتبط بتمويل جهات مصنّفة من قبل الولايات المتحدة.

إدراج الأسماء على لوائح العقوبات يعني عمليًا تجميد الأصول التي تمر عبر النظام المالي الأميركي، ما ينعكس على أي حساب مصرفي في مؤسسات تتعامل مع مصارف مراسلة دولية، ويجعل فتح الحسابات الانتخابية لهذه الفئات مسألة محفوفة بالمخاطر القانونية والمالية بالنسبة للمصارف اللبنانية.

في المقابل، يطرح الواقع القانوني سؤالًا جوهريًا حول كيفية تمكّن المرشحين المعاقبين من استيفاء شروط الترشّح. ويكمن الجواب في المادة 59 من قانون الانتخاب، التي تتيح إيداع أموال الحملة الانتخابية في صندوق خاص يُنشأ لدى وزارة المالية، في حال تعذّر فتح الحساب المصرفي لأسباب خارجة عن إرادة المرشح أو اللائحة. وفي هذه الحالة، يحل الصندوق محل الحساب المصرفي من حيث إيداع الأموال وإنفاقها وفق الضوابط القانونية المعتمدة.

وبذلك، تنتقل المسؤولية عمليًا إلى وزارة المالية لتفعيل هذا الخيار القانوني، وهو ما قد يفتح بابًا أمام ضغوط داخلية وخارجية مرتبطة بمخاطر الالتزام بالعقوبات الدولية، لا سيما أن أموال الصناديق العامة تُدار عبر النظام المالي اللبناني وترتبط بدورها بإجراءات رقابية دولية.

وتعيد هذه المسألة إلى الواجهة سجالات سابقة حول التعامل مع العقوبات الدولية داخل المؤسسات اللبنانية، ومن بينها الجدل الذي أثارته قرارات سابقة لوزير العدل عادل نصار بشأن التحقق من ورود أسماء أطراف العقود على لوائح العقوبات، والتي برّرها حينها بضرورات تفادي العزلة المالية والسعي لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، مقابل اعتراضات اعتبرت أن تلك الإجراءات تفرض قيودًا إضافية غير منصوص عليها تشريعيًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce