مقالات

قرارات الحكومة تحت ضغط “النظام الاقتصادي”: جدل متجدد حول كلفة الدولة وأزمة المالية العامة في لبنان

قرارات الحكومة تحت ضغط “النظام الاقتصادي”: جدل متجدد حول كلفة الدولة وأزمة المالية العامة في لبنان

أعادت القرارات الأخيرة التي اتخذها مجلس الوزراء برئاسة نواف سلام فتح النقاش حول طبيعة السياسات المالية والاقتصادية المتبعة في لبنان، وسط ملاحظات تفيد بأن هذه القرارات لا تختلف كثيراً عن تلك التي أقرتها حكومات سابقة على اختلاف توجهاتها، من حيث المقاربة العامة لإدارة الأزمة المالية وتوزيع الأعباء.

ويلاحظ مراقبون أن نمط القرارات الحكومية المتكررة يعكس استمرارية نهج اقتصادي متجذر منذ نهاية الحرب الأهلية، حيث جرى اعتماد نموذج قائم على الاستدانة المرتفعة، وتوسّع القطاع العام، وتعزيز الاقتصاد الاستهلاكي على حساب القطاعات الإنتاجية والتنموية. هذا النموذج، بحسب القراءة الاقتصادية السائدة، أدى تدريجياً إلى تشوّه بنيوي في المالية العامة، وجعل الدولة تعتمد بشكل متزايد على الضرائب والرسوم لتمويل نفقاتها الجارية.

وفي خلفية هذا الواقع، يبرز نظام اقتصادي مركّب تشارك في تشكيله شبكات المصالح السياسية والاقتصادية، إلى جانب قطاعات مصرفية وتجارية وخدماتية استفادت من آليات الإنفاق العام والاقتصاد الريعي، ما خلق حلقة متداخلة يصعب تفكيكها سريعاً. ويُنظر إلى هذا النظام بوصفه أحد العوامل التي تفرض على الحكومات، المتعاقبة، اعتماد سياسات مالية متشابهة حتى في ظل تبدّل الأسماء والبرامج السياسية.

كما أن التوسع في النفقات الجارية، ولا سيما الرواتب والمنافع الاجتماعية، مقابل ضعف الاستثمار في البنية التحتية والتنمية، ساهم في تعميق الاختلالات المالية، في وقت بقيت الإيرادات العامة محدودة مقارنة بحجم الاقتصاد قبل الأزمة التي اندلعت عام 2019. ويؤكد خبراء أن هذه المعادلة دفعت الدولة إلى تخصيص الجزء الأكبر من مواردها لتغطية النفقات الأساسية، بدل توجيهها نحو مشاريع إنمائية قادرة على تحفيز النمو الاقتصادي.

ويرتبط هذا المسار أيضاً بتركيبة النظام الضريبي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الضرائب غير المباشرة والاستهلاكية، مقابل حصة متواضعة من الضرائب المباشرة التصاعدية، ما يفاقم الضغوط على الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل. وفي ظل استمرار الاقتصاد غير النظامي وتراجع الإنتاج المحلي، تبدو قدرة الدولة على زيادة الإيرادات محدودة من دون إصلاحات هيكلية شاملة.

وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن معالجة الأزمة المالية لا تقتصر على إجراءات ضريبية ظرفية أو قرارات حكومية متفرقة، بل تتطلب إعادة تصميم النظام الاقتصادي والمالي بشكل متدرّج، يشمل إصلاح النظام الضريبي، وتعزيز الشفافية في الإنفاق، وإعادة هيكلة دور القطاع العام، إلى جانب تنشيط القطاعات الإنتاجية.

كما يبرز جدل واسع حول مسؤولية مختلف الأطراف السياسية والاقتصادية في ترسيخ النموذج الحالي، إذ يرى متابعون أن المنظومة الحاكمة، بمكوّناتها السياسية والبيروقراطية والاقتصادية، شكّلت شبكة متداخلة تحافظ على استمرارية هذا النظام رغم الانتقادات المتكررة. ويذهب بعض التحليلات إلى أن استدامة هذا النموذج لا تعود فقط إلى قرارات الحكومات، بل أيضاً إلى بنية اقتصادية واجتماعية اعتادت على نمط إنفاق مرتفع وخدمات مدعومة نسبياً، ما يجعل أي إصلاحات جذرية محفوفة بتحديات سياسية واجتماعية كبيرة.

في المحصلة، تكشف النقاشات الدائرة حول القرارات الحكومية الأخيرة أن جوهر الأزمة يتجاوز السياسات الظرفية، ليطال بنية النظام المالي والاقتصادي نفسه، ما يستدعي مقاربة إصلاحية شاملة تعيد التوازن بين الإيرادات والنفقات وتحدّ من الاقتصاد الريعي، كمدخل أساسي للخروج من الحلقة المفرغة للأزمة المالية في لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce