أخبار دولية

تصعيد محسوب ومفاوضات معلّقة: فجوة عميقة بين واشنطن وطهران وسط رهانات منع الحرب

تصعيد محسوب ومفاوضات معلّقة: فجوة عميقة بين واشنطن وطهران وسط رهانات منع الحرب

رغم الأجواء الإيجابية التي تحاول كل من الولايات المتحدة وإيران إظهارها حيال المسار التفاوضي الجاري بوساطة سلطنة عُمان، إلا أن الوقائع تشير إلى استمرار فجوة واسعة بين الطرفين، سواء على مستوى جدول الأعمال أو آلية إدارة الحوار أو حتى مكان انعقاده وتركيبة المشاركين فيه.

المحادثات التي انطلقت عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة ما زال يكتنفها غموض كبير، إذ لم يُحسم بشكل نهائي شكلها ولا مدتها ولا طبيعة القضايا التي ستُدرج على طاولتها. وكانت إسطنبول قد طُرحت كموقع محتمل للقاء بعد زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى تركيا ولقائه نظيره التركي هاكان فيدان والرئيس رجب طيب أردوغان، مع تداول معلومات عن صيغة لقاء متعدد الأطراف يضم إلى جانب واشنطن وطهران ممثلين عن السعودية وقطر وباكستان ومصر والإمارات. غير أن طهران عادت وطلبت نقل الاجتماعات إلى مسقط من دون توضيحات رسمية، ما أثار تساؤلات حول خلفيات هذا التبدّل.

تقديرات دبلوماسية أشارت إلى أن إيران فضّلت تجنّب إطار تفاوضي واسع قد يفرض عليها مناقشة ملفات تعتبرها خارج نطاق البحث، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية وعلاقاتها مع حلفائها الإقليميين في لبنان والعراق واليمن. في المقابل، رجّحت تحليلات أخرى أن تكون طهران سعت إلى تقديم هذه الجولة باعتبارها امتداداً لمسار سابق من المحادثات جرى في ربيع عام 2025، وليس مفاوضات جديدة بشروط موسّعة.

في حال انعقاد اللقاء في مسقط، يُتوقّع أن يتركّز النقاش في مرحلته الأولى على مسألتين أساسيتين: تخفيف مستوى التهديد العسكري الأميركي، وحصر المفاوضات بالملف النووي دون التطرق إلى ملفات أخرى. وقد شددت طهران مراراً على أنها لن تفاوض “تحت الضغط”، مؤكدة رفض إدراج برنامجها الصاروخي ضمن أي تسوية.

في المقابل، تتمسك واشنطن بطرح أوسع يشمل الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي، ما يعمّق الهوة بين الطرفين. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن طهران، رغم خطابها المتشدد، تجد نفسها عملياً أمام واقع تفاوضي يجري في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية كبيرة، وأن أي مسار يؤدي إلى رفع العقوبات سيفرض عليها في نهاية المطاف مناقشة ملفات إضافية.

أحد المقترحات المطروحة لتقريب وجهات النظر يقوم على اعتماد مقاربة “خطوة مقابل خطوة”، تتضمن مراحل زمنية محددة تلتزم فيها إيران بإجراءات تقنية متدرجة، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. من بين السيناريوهات المتداولة نقل مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى دولة ثالثة، ثم إعادة السماح بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل، وصولاً إلى تقليص قدرات التخصيب. في المقابل، تطالب طهران برفع مرحلي للعقوبات الأميركية وإلغاء آلية “سناب باك” الخاصة بإعادة فرض العقوبات الدولية المنصوص عليها في اتفاق 2015، إضافة إلى إنهاء التهديد العسكري.

غير أن هذا المسار يثير مخاوف لدى بعض الأطراف من أن يمنح إيران هامشاً زمنياً أوسع للمناورة، ويضعف تأثير الضغط العسكري الذي مهّد لإطلاق المفاوضات.

إقليمياً، تتحرك تركيا ودول عربية فاعلة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. وشهدت الأيام الماضية لقاءات رفيعة المستوى تناولت سبل منع الحرب وتداعياتها المحتملة على أمن المنطقة واستقرارها. وتسعى هذه الدول إلى لعب دور توازني بين الطرفين، مستفيدة من قنوات اتصال مفتوحة مع واشنطن وطهران على حد سواء.

في المقابل، تدرك إيران أن تحسين علاقاتها خلال السنوات الأخيرة مع بعض الدول العربية، وكذلك شراكاتها الاستراتيجية مع الصين وروسيا، لم يوفر لها مظلة حماية كافية في مواجهة التهديدات الأميركية. وهكذا يبدو المشهد أقرب إلى حوار ثنائي غير متكافئ، تختلط فيه حسابات بقاء النظام الإيراني بالمصالح الإقليمية للولايات المتحدة، وسط تساؤل مفتوح حول الجهة التي ستقدم التنازل الأول لتفادي مواجهة قد تغيّر معادلات المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce