مقالات

بطريقة التجارة القديمة.. تركيا تقايض المسيّرات بذهب أفريقيا

بطريقة التجارة القديمة.. تركيا تقايض المسيّرات بذهب أفريقيا

شفيق طاهر -المدن

حين تسعى حكومات أفريقية إلى شراء طائرات مسيّرة قتالية، فهي في الغالب لا تتحرك من وضع مالي مريح. فعدد كبير من هذه الدول يخوض حروباً ضد حركات تمرد مسلحة، أو يحاول فرض السيطرة على مساحات شاسعة من أراضيه بقدرات محدودة، أو يواجه ضغوطاً سياسية تهدد بقاء النظام. وفي الخلفية تقف احتياطيات شحيحة من العملات الأجنبية، إلى جانب صعوبات في الحصول على تمويل من مصارف غربية أو إبرام صفقات وفق الشروط الغربية الثقيلة.

 

هنا وجدت تركيا نافذتها. فانتشار مسيّرتها “بيرقدا TB2 ” وغيرها من صادرات الصناعات العسكرية التركية في أفريقيا لم يأتٍ بسبب الأداء أو السعر فقط، بل لأن أنقرة قدمت حزمة دولة كاملة؛ أي صفقة متعددة الطبقات أمنية ثم سياسية ثم اقتصادية، وليست مجرد بيع معدات.

 

العبارة المتداولة لوصف هذا الأمر هي “مسيرات مقابل المعادن”. لكن الواقع غالباً أقل حرفية من مقايضة مباشرة، مسيّرة مقابل منجم على الورق. ما يظهر بوضوح هو اتجاه عام، شراكات أمنية تركية تتحول إلى موطئ قدم اقتصادي تركي طويل الأمد، مع تداعيات على سلاسل التوريد العالمية، خصوصا الليثيوم والذهب.

 

 

 

السرعة والمرونة وقيود أقل

 

تبدو الصيغة التركية جذابة لثلاثة أسباب رئيسية:

 

أولاً، معدات فعالة وبكلفة أقل نسبياً. اكتسبت TB2 سمعة المسيّرة الكافية والفعّالة لدول تحتاج إلى مراقبة وضربات دقيقة من دون دفع كلفة مسيرات غربية أعلى أو مواجهة شروطها السياسية.

 

ثانياً، بنية اتفاقات تسهل الصفقات. تشير دراسة “لمؤسسة العلوم والسياسة” الألماني إلى أن أنقرة وقعت اتفاقات تعاون في الصناعات الدفاعية مع أكثر من 25 دولة أفريقية، بما يشمل نقل تكنولوجيا وصيغ إنتاج أو تجميع مشتركة. كما تتحدث دراسة صادرة عن “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” عن شبكة واسعة من اتفاقات التعاون العسكري والأمني مع نحو 30 دولة بدرجات مختلفة، من التدريب إلى أطر تعاون مؤسسية.

 

ثالثاً، المورد الأقل اشتراطا. فعادة ما تصاحب الصفقات الغربية إجراءات امتثال مطولة وتدقيقا سياسيا صارما، فيما تسوق تركيا نفسها شريكاً أسرع وأكثر براغماتية وهو عنصر حاسم حين يشعر القادة بأن الوقت لا يعمل لصالحهم.

 

عندما تفتح الشراكة الأمنية أبواب الطاقة والمعادن

 

التحدي الأساسي في حديث المقايضة هو الإثبات، فالكثير من ترتيبات التعويضات أو الصفقات المركبة يجري في مناطق رمادية وبشفافية منخفضة. لكن في قطاع الطاقة حيث تعلن الصفقات وتغطيها وسائل الإعلام يمكن رؤية الرابط بوضوح أكبر بين الأمن والاقتصاد.

 

الصومال هو المثال الأوضح. فقد تناولت تقارير لوكالة “رويترز” اتفاقاً بين تركيا والصومال للتعاون في النفط والغاز البحري، وتحدثت عن تحركات تركية لتنفيذ أعمال مسح واستكشاف في ثلاثة مربعات بحرية تمنح تركيا حقوقا حصرية في البحث والإنتاج في تلك المناطق. كما أفادت رويترز أيضا باتفاق لاحق بين شركة النفط التركية الحكومية والجهة الصومالية المعنية للتنقيب عن الهيدروكربونات على اليابسة، بما يعمق المسار نفسه.

أما النيجر، فتقدم مؤشراً إضافياً، إذ ذكرت رويترز في تموز/يوليو 2024 أن تركيا والنيجر اتفقتا على تعزيز التعاون في الطاقة والتعدين والدفاع والاستخبارات، مع خطوات لدعم دخول الشركات التركية إلى قطاع النفط والغاز في النيجر. وتأتي تقارير أخرى لرويترز لتشير إلى توقيع اتفاق تعاون في مجال التعدين أيضاً، ما يوحي بأن الأمر أقرب إلى حزمة متعددة القطاعات لا صفقة منفصلة.

 

 

 

لماذا الليثيوم والذهب بالتحديد؟

 

إذا كانت الطاقة هي المجال الأكثر وضوحاً لرؤية هذا النموذج، فإن المعادن النادرة هي المجال الأكثر حساسية استراتيجياً.

 

الطلب على الليثيوم يتصاعد عالمياً بسرعة. تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على الليثيوم ارتفع بنحو 30% في 2023، وأن نموه قد يكون كبيراً جداً في سيناريوهات التحول الطاقي، مع بروز الليثيوم كعنصر محوري للبطاريات. هنا يصبح امتلاك بوابات الوصول إلى التنقيب والاستخراج واتفاقات الشراء المسبق مسألة نفوذ لا تجارة فقط.

 

أما الذهب، فقيمته ليست صناعية بقدر ما هي مالية وسيادية. فقد ذكرت “رويترز”، نقلاً عن بيانات مجلس الذهب العالمي، وصول الطلب العالمي على الذهب إلى مستوى قياسي في 2024، وأن البنوك المركزية اشترت أكثر من 1000 طن للعام الثالث على التوالي، بما يعكس دور الذهب كأصل احتياطي مقاوم للمخاطر في عالم العقوبات والتقلبات.

 

لكن عندما تتقاطع مشتريات السلاح مع تراخيص التعدين أو حصص الإنتاج أو حقوق الشراء، يرتفع خطر الفساد وضعف المساءلة، خصوصا في البيئات ذات المؤسسات الضعيفة.

 

تحذر منظمة الشفافية الدولية منذ سنوات من أن صيغ التعويضات الدفاعية تحمل مخاطر فساد أعلى بسبب تعقيدها وغياب الشفافية حولها في كثير من الحالات. وهذا يجعل المقايضة حتى لو لم تسم كذلك قناة محتملة لالتقاط الموارد لصالح النخب، تحت عنوان الأمن.

 

 

 

ماذا يعني ذلك لسلاسل التوريد؟

 

ميزة تركيا في أفريقيا ليست فقط TB2 ، إنها عرض دولة متكامل، تسليم سريع، وتدريب وصيانة ضمن أطر تعاون، واستعداد للعب في الاقتصاد الحقيقي الطاقة، التعدين، البنى التحتية مع تعمق العلاقات.

 

توسع تركيا في تسليح دول أفريقية بمسيّرات مثل بيرقدار TB2 يقوم على حزمة دولة أقل اشتراطاً وأسرع تنفيذاً من الغرب، ما يحول الشراكات الأمنية إلى نفوذ اقتصادي في الطاقة والمعادن. وبالرغم من أن المسيرة مقابل المعادن ليس مقايضة حرفية، فإن أمثلة الصومال والنيجر تظهر رابطاً متنامياً بين الأمن والصفقات، مع حساسية خاصة لليثيوم والذهب وتزايد مخاطر الفساد وضعف الشفافية وتأثير ذلك على سلاسل التوريد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce