لبنان

ساحة الشهداء تختبر عودة الحريري… حشود “المستقبل” تنتظر قرار الانتخابات

ساحة الشهداء تختبر عودة الحريري… حشود “المستقبل” تنتظر قرار الانتخابات

لم تمنع الأمطار الغزيرة ولا الازدحام الخانق آلاف مناصري “تيار المستقبل” من التوجّه إلى ساحة الشهداء لإحياء ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في مشهدٍ تكرّر كما كل عام منذ 2005، لكنه حمل هذه المرة أبعادًا سياسية تتجاوز رمزية المناسبة.

الحشود التي ملأت الساحة بدت أقرب إلى استفتاء شعبي على عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى العمل السياسي، بعد سنوات من الاعتكاف. فالهتافات والأعلام والصور والأناشيد عكست رغبة واضحة لدى القواعد الشعبية بإعادة تفعيل حضور “المستقبل” في المشهد الداخلي، وسط شعور لدى كثيرين بأن الغياب لم يُلغِ التمثيل، بل جمّده بانتظار قرار.

وعندما خاطب الحريري مناصريه قائلاً إنهم “ليسوا قلّة”، بدا المشهد مؤشراً على أن قاعدته الشعبية ما زالت متماسكة. فالحضور الكثيف الذي شهدته الساحة هذا العام يوازي ما سُجل في الذكرى السابقة، ما يعكس استمرارية التعبئة، رغم تبدل المزاج السياسي العام في الشارع السني خلال السنوات الأخيرة.

الوقفة الرمزية تحوّلت إلى مساحة تفاعل شعبي مفتوحة. افترش بعض المشاركين الأرض، وشارك أطفال وشبان في الأهازيج التي طالما رافقت مناسبات “المستقبل”، في مشهد جمع بين طابع الذكرى الثقيلة ومحاولة إعادة ضخ الحياة في جمهور اعتاد التعبير عن موقفه من الشارع كما من صناديق الاقتراع.

التحضيرات التنظيمية بدت واضحة في رفع الأعلام اللبنانية وأعلام التيار، إلى جانب صور الحريري الأب والابن، فيما انتشرت القوى الأمنية بكثافة في محيط الساحة، وأُقفلت طرق رئيسية مؤدية إلى موقع الاغتيال في منطقة السان جورج والوسط التجاري، ما أدى إلى ازدحام واسع في العاصمة. وفي موازاة التجمع في الساحة، احتشد مناصرون أمام “بيت الوسط” لتحية الحريري في مشهد حمل دلالات رمزية على انتظار العودة، وإن لم يُعلن عنها رسميًا.

الحضور لم يقتصر على بيروت، إذ توافدت وفود من صيدا ومناطق الجنوب والبقاع الأوسط، حيث انطلقت مجموعات منذ ساعات الصباح من بلدات عدة باتجاه العاصمة. كثيرون وصفوا المشاركة بأنها “واجب”، ورسالة بأن القواعد الشعبية ما زالت قائمة، وأن الانكفاء السياسي لم يُفرغ الساحة من جمهورها.

سياسيًا، بدا خطاب الحريري حريصًا على رفع المعنويات من دون إعلان قرار حاسم. أعاد تثبيت ثوابت نهجه، مؤكدًا التمسك بخيار الدولة ومشروع الاعتدال، ومجددًا التأكيد على شعار “لبنان أولًا”، مع الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة واستكمال تطبيق اتفاق الطائف، بما يشمل اللامركزية الإدارية وإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس شيوخ.

كما حمل الخطاب إشارات إقليمية لافتة، مع الحديث عن أهمية أفضل العلاقات العربية والتفاعل مع التحولات في المحيط، في محاولة لربط الداخل اللبناني بالمتغيرات الإقليمية، ضمن رؤية تستعيد فكرة لبنان كمنصة اقتصادية وخدماتية في المنطقة.

العبارة الأبرز جاءت عندما ربط الحريري قراره بموعد الانتخابات، قائلاً إن أصوات جمهوره “ستُسمع وتُعدّ”. هذه الإشارة فُهمت على أنها إبقاء الباب مفتوحًا أمام العودة، شرط توافر لحظة سياسية مناسبة تُترجم في صناديق الاقتراع. فالقرار، كما بدا، ليس عاطفيًا بل مرتبط بحسابات داخلية وخارجية وبسياق الاستحقاق الانتخابي.

وهكذا، تحوّلت ساحة الشهداء إلى مساحة اختبار لميزان الحضور الشعبي، ورسالة سياسية بأن جمهور “المستقبل” ما زال موجودًا. أما قرار العودة الرسمي، فبقي معلّقًا بانتظار أن تحسم الانتخابات المقبلة اتجاه الريح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce