مقالات

الدبلوماسية السورية بين الكفاءة والولاء: هل تُبنى الخارجية بمنطق الدولة أم بمنطق الحلقة الضيقة؟

الدبلوماسية السورية بين الكفاءة والولاء: هل تُبنى الخارجية بمنطق الدولة أم بمنطق الحلقة الضيقة؟

تدخل سوريا مرحلة حساسة من إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من التفكك والعزلة الدولية، وتبرز وزارة الخارجية كإحدى أكثر الجهات تأثيراً في رسم صورة البلاد خارجياً. غير أن التعيينات الدبلوماسية الأخيرة أثارت نقاشاً متصاعداً في الأوساط السياسية، ليس بسبب أسماء المعيّنين بقدر ما هو مرتبط بالآلية التي اعتمدت، وما تعكسه من تصور لطبيعة الدولة في المرحلة الانتقالية.

الاعتراضات لم تتركز على خلفيات الأشخاص أو أهليتهم الفردية، بل على غياب إطار مؤسسي واضح يحكم عملية التعيين. لم يُعلن عن مسابقات أو معايير محددة، ولم يُفتح باب الترشح، بل جاءت التعيينات مباشرة، في خطوة اعتبرها مراقبون بعيدة عن النماذج الإدارية المعتمدة في الدول التي تسعى إلى ترسيخ مؤسسات حديثة. ويرى منتقدون أن بناء جهاز دبلوماسي محترف يتطلب آليات شفافة تعزز الثقة وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص.

الدبلوماسية، بطبيعتها، مسار مهني تراكمي يقوم على الخبرة الطويلة والتدرّج الوظيفي داخل الوزارة والبعثات الخارجية. فمن الملحق إلى السفير، يكتسب الدبلوماسي خبرات في التفاوض وإدارة الملفات الحساسة وفهم بروتوكولات العمل الدولي. لذلك، فإن القفز فوق هذا المسار وتعيين شخصيات بلا خبرة مباشرة في مواقع قيادية يثير تساؤلات حول قدرة الجهاز الدبلوماسي على التعامل مع تعقيدات المرحلة المقبلة.

الجدل لا يقتصر على مسألة الخبرة، بل يمتد إلى طريقة إدارة الوزارة نفسها. إذ يعتبر بعض المتابعين أن تغليب معيار الثقة الشخصية أو القرب السياسي على معيار الكفاءة قد يؤدي إلى إضعاف الأداء المؤسسي. ويشيرون إلى أن وزارة الخارجية يفترض أن تكون مساحة عمل احترافية مستقلة نسبياً، لا ساحة لإعادة إنتاج شبكات الولاء الضيقة، خصوصاً في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تعزيز حضورها الدولي واستعادة ثقة العواصم المؤثرة.

كما أثارت بعض القرارات التنظيمية داخل الوزارة نقاشاً إضافياً، لاسيما ما يتعلق بتوسيع أدوارها لتشمل ملفات سياسية داخلية، وهو ما يراه منتقدون خروجاً عن الدور التقليدي للمؤسسة الدبلوماسية. فكلما انشغلت الخارجية بملفات غير متصلة بعملها الأساسي، تراجع تركيزها على إدارة العلاقات الخارجية وبناء شبكة علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.

ومن القضايا التي حضرت بقوة في النقاش العام مسألة تعيين أقارب أو أبناء مسؤولين في مواقع دبلوماسية حساسة من دون مسار مهني واضح. ورغم أن الانتماء العائلي بحد ذاته لا يشكل إدانة، إلا أن غياب التنافس الشفاف يفتح الباب أمام تساؤلات حول تضارب المصالح وإمكانية تكريس نفوذ سياسي داخل جهاز يفترض أن يقوم على المهنية.

في المقابل، يبرز سؤال حول مصير الدبلوماسيين المنشقين الذين يملكون خبرة طويلة في العمل الخارجي. فبعضهم عاد إلى البلاد استجابة لدعوات رسمية للمشاركة في إعادة البناء، إلا أن دورهم ظل محدوداً، ما دفع إلى التساؤل عن مدى الاستفادة من خبراتهم في هذه المرحلة الدقيقة.

مدافعون عن التعيينات الجديدة يعتبرون أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لا تسمح بانتظار سنوات لإعداد كوادر جديدة، وأن الحاجة تفرض الاستعانة بشخصيات متاحة حالياً. غير أن تجارب دول أخرى خرجت من أزمات سياسية عميقة أظهرت أن إعادة بناء المؤسسات لا تقوم على تجاوز المعايير المهنية، بل على الجمع بين الاستفادة من الخبرات القائمة وإطلاق مسارات تدريب واضحة لجيل جديد، عبر معاهد متخصصة وتدرّج وظيفي ملزم يربط المناصب بسجل مهني محدد.

في المحصلة، يشكّل ملف الدبلوماسية السورية اختباراً عملياً لطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها. فصورة البلاد في الخارج ترتبط مباشرة بقدرة مؤسساتها على العمل بمعايير احترافية شفافة. وبين منطق الكفاءة ومنطق الولاء، يبقى السؤال مفتوحاً حول الاتجاه الذي ستسلكه عملية إعادة تشكيل الجهاز الدبلوماسي في المرحلة المقبلة، ومدى انعكاس ذلك على موقع سوريا في الساحة الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce