
واشنطن أمام مفترق إيران: قرار مؤجل بين ضربة محفوفة بالمخاطر واتفاق مستحيل
واشنطن أمام مفترق إيران: قرار مؤجل بين ضربة محفوفة بالمخاطر واتفاق مستحيل
تخيّم حالة ترقّب ثقيلة على المشهد الإقليمي والدولي في ظل استمرار الغموض حول قرار الولايات المتحدة تجاه إيران، وسط مؤشرات إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يحسم خياره النهائي بعد. وتتأرجح الإدارة الأميركية بين مسارين متناقضين: عمل عسكري واسع قد يفتح الباب على مواجهة شاملة، أو محاولة دفع طهران نحو اتفاق سياسي جديد يجنّب المنطقة انفجارًا كبيرًا. غير أن كلا الخيارين يفتقر إلى ضمانات حقيقية لتحقيق نتيجة واضحة يمكن تسويقها داخليًا بوصفها انتصارًا سياسيًا أو استراتيجيًا.
وتزداد الضبابية مع غياب هدف أميركي معلن ومحدد، إذ تتداخل الاحتمالات بين السعي إلى إسقاط النظام الإيراني، أو تغيير قيادته، أو تنفيذ ضربة ردعية على خلفية قمع الاحتجاجات، أو فرض اتفاق بشروط أميركية صارمة. هذا التشتت في الأهداف يجعل مرحلة الانتظار الراهنة أقرب إلى جمود استراتيجي، بدل أن تكون تمهيدًا لقرار حاسم.
في المقابل، يُنظر إلى خيار الضربة العسكرية، حتى لو جاءت قوية ومركّزة، على أنه غير كافٍ لإحداث تحول جذري في بنية النظام الإيراني. فالأحداث الأخيرة، ولا سيما الاحتجاجات التي بلغت ذروتها مطلع عام 2026، أظهرت قدرة السلطة على إعادة فرض السيطرة الأمنية رغم الكلفة الباهظة سياسيًا وأخلاقيًا. كما أن رد فعل الشارع الإيراني في حال تعرض البلاد لهجوم خارجي يبقى غير قابل للتنبؤ، بين من قد يرى فيه فرصة لإحياء الحراك، ومن قد يدفعه الخوف والإحباط إلى مزيد من الانكفاء.
ويُحذَّر في هذا السياق من أن أي هجوم أميركي قد يمنح طهران ذريعة لإعادة توحيد الداخل خلف خطاب “العدوان الخارجي”، بدل أن يؤدي إلى إضعاف النظام. وتُطرح بدائل أخرى، مثل توجيه ضربات محدودة تطال رموزًا في هرم السلطة، إلا أن هذا السيناريو لا يُتوقع أن يُحدث تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا، حتى في حال نتج عنه تغيير في الواجهة القيادية.
أما خيار تشديد الخناق الاقتصادي عبر حصار بحري يقيّد صادرات النفط، فيحمل بدوره مخاطر إقليمية كبيرة، من احتمال استهداف الملاحة في الخليج، إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، فضلًا عن كونه مسارًا بطيئًا لا يمنح الإدارة الأميركية مكسبًا سريعًا يمكن استثماره سياسيًا.
في الجهة المقابلة، يبدو الرهان على اتفاق سياسي شامل شبه معدوم، في ظل تشدد القيادة الإيرانية وغياب الثقة الأميركية بإمكان التزام طهران بأي تفاهم طويل الأمد. كما تدرك القيادة الإيرانية أن القبول بشروط تتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي سيُعدّ مساسًا بجوهر مشروعها الاستراتيجي، ما يجعل أي تنازل واسع بمثابة تهديد مباشر لبقاء النظام.
وعلى الصعيد الداخلي، يواجه النظام الإيراني تحديات غير مسبوقة، أبرزها أزمة شرعية متفاقمة بعد القمع العنيف للاحتجاجات، إلى جانب تدهور اقتصادي حاد تفاقم بفعل القيود على الإنترنت والإغلاقات الواسعة. وتشير معطيات اقتصادية إلى أن قطاعات واسعة، لا سيما الاقتصاد الرقمي، باتت على حافة الانهيار، مع تراجع كبير في حجم الأعمال وازدياد حالة عدم اليقين لدى مئات الآلاف من العاملين في هذا المجال. ورغم هذا التآكل الداخلي، لا يبدو أن النظام يقف على أعتاب سقوط وشيك.
إقليميًا، وبعد المواجهة العسكرية المحدودة بين إيران وإسرائيل في صيف 2025، تبدو قدرة الطرفين على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة جديدة محدودة، في ظل مخاطر سوء التقدير العسكري، واحتمالات إعادة بناء القدرات النووية والصاروخية. ومع ذلك، لا يظهر في الأفق خيار بديل عن سياسة “إدارة الصراع”، بانتظار تحوّل داخلي محتمل في بنية الحكم الإيراني.
في المحصلة، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في منطقة رمادية بين ضربة غير مضمونة العواقب، واتفاق سياسي صعب المنال، وحصار طويل الأمد محفوف بالتصعيد. وبدل الحلول الحاسمة، تفرض المرحلة الراهنة سياسة انتظار حذر، تقوم على استنزاف النظام الإيراني وإضعافه تدريجيًا، إلى أن تفرض التطورات الداخلية في طهران لحظة التحول الفعلية.



