مقالات

كيف انهار مشروع «قسد»؟ من الخسارة الميدانية إلى العزلة السياسية والاندماج القسري

كيف انهار مشروع «قسد»؟ من الخسارة الميدانية إلى العزلة السياسية والاندماج القسري

شكّل الاتفاق الذي وُقّع في 18 كانون الثاني/يناير بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» محطة مفصلية في مسار الصراع السوري، إذ نصّ على وقف شامل لإطلاق النار ودمج «قسد» بالكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية العسكرية والمدنية. وجاء الاتفاق بوساطة أميركية مباشرة، وبرعاية سياسية إقليمية، عاكسًا تحولات عميقة ومتسارعة في موازين القوى شمال وشرق سوريا.

ورغم الطابع الرسمي للاتفاق، إلا أنه لم يكن نتيجة مسار تفاوضي متكافئ، بل ثمرة وقائع ميدانية ضاغطة فرضت نفسها على الأرض. ففي فترة قصيرة، خسرت «قسد» السيطرة على مساحات واسعة، أبرزها كامل الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات، وأجزاء كبيرة من دير الزور، إضافة إلى الرقة ومناطق مؤثرة في الحسكة. ولم تقتصر الخسارة على الجغرافيا، بل طالت البنية السياسية والعسكرية التي قامت عليها «الإدارة الذاتية»، ما أدى إلى اهتزاز جوهر المشروع برمته.

وتُعد هذه النكسة العسكرية الخامسة لـ«قسد» منذ عام 2018، إلا أنها تختلف عن سابقاتها من حيث التأثير والنتائج. فبعد تجارب سابقة تمكّنت خلالها من امتصاص الضربات وإعادة التموضع، جاءت خسارة عام 2026 لتصيب قلب المشروع لا أطرافه، وتطيح بإطاره العام، بعدما استهدفت مركز الثقل الجغرافي والسياسي للإدارة الذاتية.

تعود جذور «قسد» إلى تشرين الأول/أكتوبر 2015، حين أُعلنت كمظلة عسكرية تضم فصائل متعددة المكونات، عربية وكردية وسريانية، في مقدمتها وحدات حماية الشعب «YPG». وكان الهدف المعلن آنذاك إنشاء إطار جامع قادر على استقطاب الدعم الدولي في الحرب ضد تنظيم «داعش»، وتخفيف الحساسية السياسية المرتبطة بعلاقة «YPG» بحزب العمال الكردستاني. غير أن هذا الإطار ظل عمليًا غطاءً سياسيًا وعسكريًا للنواة الكردية الصلبة، ما سمح بتوسيع النفوذ وبناء مؤسسات أمر واقع.

ومع التطورات الأخيرة، وانسحاب التشكيلات العربية وتفكك المجالس العسكرية المحلية، عادت «قسد» تدريجيًا إلى بنيتها الأصلية كقوة أحادية التكوين، بعد انهيار الطابع الائتلافي الذي شكّل أساس وجودها. وبذلك، لم يقتصر سقوط المشروع على الجانب العسكري، بل شمل الفكرة التي قام عليها، أي التمثيل المتعدد والشراكة العابرة للهويات.

ويرتبط مسار «الإدارة الذاتية» بجذور أقدم تعود إلى اتفاق أربيل عام 2012، الذي أُسس لإدارة الشأن الكردي ضمن تفاهمات داخلية. إلا أن الشراكة سرعان ما انهارت، مع انفراد حزب الاتحاد الديمقراطي بالقرار وإقصاء القوى الكردية الأخرى، وربط المشروع بمحاور إقليمية محددة، ما أفقده التوازن الداخلي وأدخله في مواجهة مع محيطه السوري.

ومع توسّع رقعة السيطرة منذ عام 2014، تحولت الإدارة الذاتية إلى كيان واسع بأجهزة أمنية ومؤسسات مدنية، غير أن هذا الاتساع لم يقابله قبول اجتماعي، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية العربية، حيث بقيت العلاقة محكومة بمنطق القوة. ومع تراجع الغطاء الدولي وتغيّر المعادلات، انفجرت التناقضات الداخلية عند أول اختبار حاسم.

وفي الحسكة ومحيطها، دخلت المنطقة مرحلة من الاضطراب الأمني، ترافقت مع انسحابات واسعة وتصاعد التوترات المحلية، ما عمّق القطيعة بين «قسد» والمجتمع المحلي. وأدى ذلك إلى تسريع انهيار ما تبقى من شرعية الإدارة الذاتية، في وقت بات فيه الاتفاق الأخير أقرب إلى تسوية فرضتها الهزيمة، لا شراكة سياسية جديدة.

وبناءً على ذلك، لم يعد النقاش يدور حول تقاسم سلطة أو إدارة مشتركة، بل حول شروط الاندماج الكامل. ويعني تنفيذ الاتفاق عمليًا حلّ مؤسسات «الإدارة الذاتية» السياسية والمدنية، وتحويلها إلى تجربة منتهية، مع الاكتفاء بما أُقرّ من حقوق ثقافية وسياسية ضمن الإطار الدستوري العام، إلى جانب تسويات فردية محتملة.

أما «قسد» ككيان جامع، فقد انتهت فعليًا، ليصبح ما يجري اليوم تفككًا تدريجيًا أعاد المشروع إلى نقطة البداية، قبل أن يذوب داخل مؤسسات الدولة السورية. وبهذا المعنى، لم يكن الاتفاق سبب السقوط بحد ذاته، بل نتيجة مسار طويل من العزلة والرهان على القوة، انتهى بهزيمة وضعت حدًا لتجربة امتدت أكثر من عقد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce