
تقديرات إسرائيلية: احتجاجات غير مسبوقة تضع النظام الإيراني أمام أخطر اختبار منذ أكثر من عقدين
تقديرات إسرائيلية: احتجاجات غير مسبوقة تضع النظام الإيراني أمام أخطر اختبار منذ أكثر من عقدين
تشير تقديرات سياسية وأمنية متداولة في إسرائيل إلى أن النظام الإيراني يمرّ بواحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ عام 1999، على وقع موجة احتجاجات واسعة دخلت أسبوعها الثالث، وسط تمدّد جغرافي وبشري لافت، وتراجع ملحوظ في قدرة السلطة على ضبط الشارع واحتواء الغضب الشعبي المتراكم.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر رفيعة المستوى، فإن التطورات الجارية في إيران تجاوزت إطار الاحتجاجات الظرفية، لتتحول إلى أزمة داخلية عميقة تمسّ أسس الاستقرار السياسي والأمني للنظام. وترى هذه المصادر أن حجم الحراك الشعبي وطبيعته يعكسان خللًا بنيويًا متزايدًا، وليس مجرد اعتراضات محدودة يمكن احتواؤها بالإجراءات التقليدية.
وتلفت التقديرات الإسرائيلية إلى أن لجوء السلطات الإيرانية إلى قطع الإنترنت بشكل شبه كامل يُعدّ مؤشرًا استثنائيًا، لا يُستخدم عادة إلا في لحظات الخطر القصوى، حين تخشى القيادة من تسرب معلومات أو صور توثّق حجم القمع وسقوط الضحايا في الشوارع. ويُنظر إلى هذا الإجراء على أنه دليل على أن ما يجري داخل المدن الإيرانية أخطر بكثير مما يظهر إلى الخارج، خصوصًا في ظل محدودية المواد المصوّرة المتداولة مقارنة باتساع رقعة الاحتجاجات.
ورغم تسجيل تحركات احتجاجية ليلية في نحو مئة مدينة، تشير القراءة الإسرائيلية إلى أن ضعف التغطية البصرية لا يعكس هدوءًا ميدانيًا، بل يعكس شدة القبضة الأمنية، وسيطرة الأجهزة على الفضاء الرقمي والإعلامي، ما يحجب جزءًا كبيرًا من المشهد الحقيقي على الأرض.
وتقدّر الأوساط الإسرائيلية أن عدد القتلى تجاوز عتبة الألفين، مع ترجيح أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى بكثير، في ظل غياب الإحصاءات الرسمية، واستمرار القيود المفروضة على الاتصالات، وصعوبة وصول المنظمات الحقوقية إلى مواقع الأحداث. وترى هذه الأوساط أن استمرار الاحتجاجات بهذه الوتيرة لا يعني بالضرورة انهيارًا وشيكًا للنظام، لكنه يدفعه إلى مرحلة استنزاف داخلي طويلة ومكلفة.
وفي هذا السياق، تشدد التقديرات على أن السؤال المطروح لم يعد محصورًا بإمكانية سقوط النظام، بل بات مرتبطًا بطبيعة السيناريوهات المحتملة في حال حدوث تغيير. فإلى جانب احتمال انتقال تدريجي نحو نموذج أكثر انفتاحًا، تبرز سيناريوهات أقل تفاؤلًا، مثل إعادة ترتيب السلطة داخل المنظومة نفسها، أو إنتاج قيادة بديلة شكلية، أو حتى تشديد القبضة الأمنية وإعادة إنتاج النظام بصورة أكثر قسوة.
وتوضح المصادر أن إسرائيل تعتمد في هذه المرحلة سياسة المراقبة الحذرة، مع تفضيل ترك زمام المبادرة للولايات المتحدة في ممارسة الضغوط المباشرة على طهران. وفي الوقت نفسه، تحرص تل أبيب على عدم ربط الاحتجاجات بأي دور إسرائيلي، تفاديًا لمنح القيادة الإيرانية ذريعة لتعبئة الشارع تحت شعار “التدخل الخارجي”، وهو ما قد يُضعف الزخم الداخلي.
وعلى الصعيد العسكري، عقدت القيادة الإسرائيلية خلال الأيام الماضية جلسات تقييم برئاسة رئيس الأركان، ركزت على دراسة انعكاسات التطورات في إيران على الأمن الإقليمي والجبهات المحيطة. ورغم التأكيد على أن ما يجري شأن داخلي إيراني، شددت المؤسسة العسكرية على جاهزيتها للدفاع والردع، وعلى مواصلة رفع مستوى الاستعداد العملياتي تحسبًا لأي تطور.
وتتخوف إسرائيل من أن يلجأ النظام الإيراني، في حال شعوره بأن بقائه مهدد، إلى تصدير أزمته إلى الخارج عبر تصعيد إقليمي، سواء من خلال حلفائه ووكلائه في المنطقة، أو عبر خطوات أمنية أو عسكرية مباشرة. ويُعد هذا الاحتمال أحد أبرز مصادر القلق في التقدير الاستراتيجي الحالي.
وترى القراءة الإسرائيلية أن جذور الاحتجاجات تعود إلى غضب شعبي متراكم بفعل الأزمات الاقتصادية الخانقة، وتداعيات العقوبات الدولية، وتراجع مستوى المعيشة، إلى جانب شعور واسع بأن موارد الدولة تُستنزف في سياسات إقليمية على حساب الداخل. وبناءً على ذلك، تعتبر هذه التقديرات أن ما تشهده إيران اليوم يمثل أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والنظام.
وتخلص هذه الرؤية إلى أن إيران تدخل مرحلة دقيقة قد تعيد رسم ملامح استقرارها الداخلي ودورها الإقليمي، وأن أي تحول كبير في طهران لن تبقى تداعياته محصورة داخل حدودها، بل ستنعكس على توازنات الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.



