
الأمن في صدارة التحديات: عام ثانٍ حاسم في عهد جوزيف عون
الأمن في صدارة التحديات: عام ثانٍ حاسم في عهد جوزيف عون
يدخل لبنان عامه الثاني من عهد الرئيس جوزيف عون في ظل مشهد سياسي وأمني واقتصادي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الأزمات الداخلية مع تداعيات الحرب الإسرائيلية والتطورات الإقليمية المتسارعة. وبعد سنة أولى اتسمت بمحاولات إعادة انتظام الدولة ومؤسساتها، يتقدّم ملف الأمن وحصرية السلاح إلى واجهة التحديات التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة.
انتُخب عون في التاسع من كانون الثاني 2024 بعد أكثر من عامين من الشغور الرئاسي، مدعومًا بتوافق سياسي واسع شمل قوى أساسية في البرلمان، وذلك في أعقاب حرب إسرائيلية مدمّرة انتهت باتفاق لوقف الأعمال العدائية، تضمّن بنودًا واضحة تتعلق ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. ومنذ ذلك الحين، سعى العهد إلى تثبيت معادلة الدولة، ومنع انزلاق الساحة الداخلية نحو توترات أمنية جديدة.
وخلال عامه الأول، برزت مقاربة رسمية هدفت إلى إعادة تشغيل المؤسسات الدستورية والإدارية، من خلال تشكيل حكومة فاعلة، وتنشيط الإدارة العامة، وملء الشواغر في الهيئات الناظمة ومجالس الإدارة، إضافة إلى فتح ملفات إصلاحية طال إهمالها، وفي مقدّمها ملف القضاء، الذي حظي بأولوية واضحة ضمن مسار تعزيز دولة القانون.
سياسيًا، انعكس الالتزام بخطاب القسم في مقاربة حذرة للملفات السيادية، قائمة على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، من دون تعريض الاستقرار الداخلي للاهتزاز. كما اعتمد العهد سياسة انفتاح دبلوماسي تجاه الدول الراغبة بدعم لبنان، ما أعاد الحضور اللبناني إلى مسارات الحوار والآليات الدولية المعنية بالوضعين الأمني والاقتصادي.
في المقابل، لا تزال الإصلاحات المالية الجوهرية دون المستوى المطلوب، إذ لم يُستكمل بعد مسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ولا معالجة حقوق المودعين، ما يحدّ من فرص استعادة الثقة وجذب الاستثمارات والمساعدات الخارجية. ويُجمع مراقبون على أن أي نهوض اقتصادي يبقى منقوصًا في غياب حلول عادلة وشاملة للأزمة المالية.
أما أمنيًا، فيُعدّ هذا الملف التحدي المركزي للعهد في مرحلته الثانية. فبعد تنفيذ الجيش اللبناني خطته جنوب نهر الليطاني، تبرز الحاجة إلى استكمال الخطوات شماله، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية ومناخ التهديد الدائم بحرب جديدة، وهو ما يُعقّد مهمة الدولة في بسط سلطتها الكاملة من دون ضمانات دولية واضحة.
في الداخل، سُجّل تحرك أمني لافت تُرجم بسلسلة توقيفات طالت متورطين في الجرائم المنظمة وتجارة المخدرات، في مؤشر إلى قرار سياسي بإعادة الاعتبار لهيبة الدولة، وكسر منطق التسويات الذي ساد لسنوات طويلة.
خارجيًا، حقق العهد اختراقًا ملحوظًا في ملف العلاقات العربية، مع إعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع عواصم أساسية بعد فترة من الجفاء. واستند هذا التحول إلى خطاب رسمي أكثر توازنًا وحرصًا على الحياد، ما أعاد لبنان تدريجيًا إلى محيطه العربي، وفتح الباب أمام دعم سياسي واقتصادي مشروط بالاستقرار والإصلاح.
وبين ما تحقق وما لا يزال مؤجلًا، يبقى عام الرئيس جوزيف عون الثاني محطة مفصلية، يُفترض أن تشهد انتقالًا من تثبيت الأسس إلى اختبار القدرة على الإنجاز الكامل، ولا سيما في الملف الأمني الذي سيبقى معيارًا حاسمًا لنجاح العهد أو تعثّره.



