أخبار دولية

سقوط مادورو يضع استثمارات إيران في أميركا اللاتينية على المحك

سقوط مادورو يضع استثمارات إيران في أميركا اللاتينية على المحك

لم يُبدِ الرأي العام الإيراني حزنًا يُذكر على سقوط نظام بشار الأسد بقدر ما انشغل بسؤال واحد: أين ذهبت عشرات المليارات التي ضختها طهران في سوريا؟ السؤال نفسه عاد بقوة بعد التطورات الدراماتيكية في فنزويلا، مع تزايد الغموض حول مصير الأموال الضخمة التي أنفقتها إيران هناك على مدى سنوات، في استثمارات ومشاريع تجاوزت الاعتبارات الاقتصادية التقليدية.

سقوط الرئيس الفنزويلي شكّل ضربة مزدوجة لطهران، إذ لم تخسر أحد أبرز حلفائها في أميركا اللاتينية فحسب، بل وجدت نفسها أمام رسالة سياسية وأمنية مباشرة مفادها أن تمددها خارج الشرق الأوسط بات تحت المجهر الأميركي. ومع أن الفارق بين إيران وفنزويلا كبير من حيث طبيعة التهديدات، إلا أن القاسم المشترك يتمثل في شعور طهران بأن نفوذها الخارجي قد يتحول إلى عبء استراتيجي في لحظة واحدة.

النفوذ الإيراني في فنزويلا لم يكن مجرد تعاون اقتصادي، بل اتخذ طابعًا أمنيًا وعسكريًا أثار قلق واشنطن. وقد اعتُبر انفتاح كاراكاس على طهران، وتحولها إلى منصة لنشاطات مرتبطة بإيران وحلفائها، أحد العوامل التي سرّعت في إسقاط النظام. وفي هذا السياق، برزت مواقف أميركية ربطت بين مستقبل فنزويلا الاقتصادي، ولا سيما في قطاع النفط، وبين فك ارتباطها مع إيران وروسيا والصين، ما وضع الاستثمارات الإيرانية في مهب الريح.

العلاقات بين طهران وكاراكاس بدأت بخطوات محدودة في عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، لكنها بلغت ذروتها خلال مرحلة محمود أحمدي نجاد، حين تحولت إلى تحالف أيديولوجي معلن في مواجهة الولايات المتحدة. وترافق ذلك مع زيارات متبادلة مكثفة، وخطاب شعبوي متشابه، رغم أن البلدين يمتلكان من أكبر احتياطيات النفط في العالم، إلا أن اقتصادهما انتهى إلى تضخم قياسي وعملات منهارة.

لاحقًا، شهدت هذه العلاقة فتورًا نسبيًا خلال مرحلة حسن روحاني، قبل أن تعود بقوة في عهد إبراهيم رئيسي، حيث أُعيد إحياء مشاريع متوقفة، ووقّعت مئات الاتفاقيات، شملت قطاعات مدنية وعسكرية، من بينها الطائرات المسيّرة والصناعات الصاروخية. ورغم العقوبات الخانقة التي تعاني منها إيران، استمرت في ضخ الأموال خارج حدودها، في وقت يواجه فيه الداخل الإيراني أزمات معيشية خانقة.

بعيدًا عن منطق الربح والخسارة، جاءت الاستثمارات الإيرانية في فنزويلا ضمن رؤية أيديولوجية أوسع، ترى في الحضور الخارجي ساحة للصراع مع الغرب أكثر مما تراه مشروعًا اقتصاديًا. هذا النهج، الذي امتد إلى دول عدة من الشرق الأوسط إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية، حوّل الموارد الإيرانية إلى أدوات نفوذ سياسي ودعائي، لا إلى استثمارات منتجة.

وتشمل قائمة المشاريع الإيرانية في فنزويلا بناء مستشفيات، ومصانع سيارات، ومنشآت صناعية، وشبكات طرق، ومشاريع نفطية، إضافة إلى بنى عسكرية حساسة. غير أن اللافت كان إنشاء عشرات المراكز الثقافية والدينية، في مؤشر واضح على أن البعد الأيديولوجي كان حاضرًا بقوة، حتى في بلد ذي غالبية مسيحية.

اليوم، ومع تغيّر المشهد السياسي في كاراكاس، يقدّر خبراء حجم الديون الفنزويلية المستحقة لإيران بمليارات الدولارات، إلا أن فرص استعادتها تبدو ضئيلة. وهكذا، تجد طهران نفسها أمام تجربة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الاستثمارات الخارجية التي انتهت بخسائر سياسية ومالية، فيما يبقى السؤال مفتوحًا داخل إيران: من يحاسب على هذا الهدر، ومن يدفع الثمن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce