مقالات

لبنان يرفع نبرة المواجهة في الميكانيزم وإسرائيل تلوّح بالتصعيد

لبنان يرفع نبرة المواجهة في الميكانيزم وإسرائيل تلوّح بالتصعيد

لم يطرأ أي اختراق جوهري على مستوى الطروحات الأساسية خلال الاجتماع الخامس عشر لآلية «الميكانيزم» الذي عُقد يوم الجمعة الماضي في الناقورة، وهو الثاني بصيغته المعدّلة بعد إدخال ممثلين مدنيين، والأخير لهذا العام. واقتصرت المستجدات على تقديم لبنان مطالعة عسكرية موسّعة تتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية، مقابل عرض إسرائيلي لمقاربة جديدة تمزج بين التعاونين الأمني والاقتصادي، في ظل تباعد واضح في المواقف بين الجانبين.

وسُجّل خلال الاجتماع استثناءان بارزان؛ الأول تمثّل في تعزيز الوفد الإسرائيلي بشخصية رسمية ثانية هي نائب رئيس مجلس الأمن القومي يوسي درازنين، الذي مُنح صفة رئيس الوفد. أما الاستثناء الثاني فكان إصرار الوفد العسكري اللبناني على المشاركة الكاملة في الاجتماع من بدايته حتى نهايته، ورفضه الخروج من القاعة أو القبول بفصل الجلسات إلى شقين عسكري ومدني، ما عكس ارتفاعًا ملحوظًا في نبرة الموقف اللبناني، خصوصًا بعد حادثة بلدة يانوح، التي شدد فيها لبنان على رفض تدمير المنازل تحت أي ذريعة.

وفي هذا السياق، برز دور قائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نقولا تابت، الذي أكد التزامه توجّه قيادة الجيش الرافض لسياسة تدمير المنازل، واعتبر أن الغارات التي تُنفذ جنوب الليطاني تستهدف الجيش اللبناني بشكل مباشر. هذا الموقف أثار انزعاجًا إسرائيليًا واضحًا، داخل اللجنة وخارجها، مع تحميل تابت مسؤولية أوامر ميدانية أدت إلى احتكاكات غير مباشرة، سواء عبر حشد الجيش في منازل طُلب إخلاؤها أو إقفال مسارب اعتاد الجنود الإسرائيليون استخدامها للتوغل داخل القرى. ولا يُستبعد، وفق المعطيات، أن تسعى إسرائيل إلى عرقلة مهمته أو الدفع باتجاه استبداله.

وعلى خط موازٍ، تقدّمت فرنسا باقتراح إنشاء آلية مراقبة وتنسيق تضم ضباطًا من أعضاء «الميكانيزم»، تشارك في عمليات الفحص والتفتيش التي ينفذها الجيش في بعض المنازل، بناءً على طلبات اللجنة التي تدّعي إسرائيل احتواءها على عتاد عسكري. وتسعى باريس من خلال ذلك إلى تعزيز حضورها داخل الآلية، وخلق توازن في مستوى الطلبات، إلى جانب دعم الموقف اللبناني الرافض لقرارات تدمير المنازل، لما تحمله من تداعيات خطيرة على الدولة.

وفي إطار دعمها للبنان، طلبت فرنسا تزويدها خرائط دقيقة لمناطق عمل الجيش جنوب الليطاني، وما أُنجز حتى الآن، تتضمن المواقع والأنفاق والمخازن التي جرى اكتشافها، لاستخدامها في تثبيت الموقف اللبناني. كما نصحت الحكومة اللبنانية بتمديد مهلة مهمة الجيش في هذه المنطقة لفترة قصيرة لا تتجاوز الشهرين، إذا رأت أن ذلك ضروري.

ويُبحث هذا الخيار داخل المؤسسة العسكرية تحت عنوان إجراء فحص أخير وشامل للمنطقة، على أن يُترك القرار النهائي للحكومة. ومن المقرر أن يقدّم الجيش، مع نهاية العام، تقريره الرابع إلى مجلس الوزراء، متضمنًا عرضًا تفصيليًا لكل أنشطته منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، ليُبنى على أساسه قرار التمديد أو عدمه.

ويهدف هذا التوجه إلى تفادي أي ثغرات ميدانية قد تستغلها إسرائيل للتذرع بوجود نقاط عسكرية ناشطة، أو لتبرير اعتداءات جديدة، بما قد يعرّض مصداقية الجيش اللبناني للطعن. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى جولات السفراء والملحقين العسكريين التي نظمها الجيش جنوب الليطاني على أنها شكل من أشكال المقاومة السياسية في مواجهة التشكيك الإسرائيلي بدوره، في مقابل محاولات إسرائيلية للتشويش عبر تنفيذ غارات واستهدافات متفرقة لإبقاء سردية وجود السلاح قائمة.

في المقابل، ترى الولايات المتحدة مصلحة في استمرار دور الجيش في هذه المنطقة، مع فتح قناة عمل محدودة تمتد من شمال نهر الليطاني إلى نهر الأولي، بما يعزز آلية التفاوض الحالية. وتعتبر واشنطن مسار «الميكانيزم» بمثابة كسر جليد يمهّد لانتقال تدريجي نحو مفاوضات أكثر وضوحًا، وهو ما يفسر دعمها لتوسيع التمثيل الإسرائيلي داخل اللجنة، في محاولة لدفع لبنان إلى خطوة مماثلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce