مقالات

هل يتدخل نبيه بري ويفتح باب الإعمار؟ عقدة التمويل تكشف حسابات السياسة والانتخابات

هل يتدخل نبيه بري ويفتح باب الإعمار؟ عقدة التمويل تكشف حسابات السياسة والانتخابات

 

تتفاقم الإشكالية المرتبطة بإعادة إعمار ما دمّرته الحرب الإسرائيلية على لبنان، في ظل عجز الحكومة عن إطلاق ورشة جدية تعيد الثقة إلى المواطنين المتضررين. فالحكومة تعلن صراحة عدم توافر الأموال اللازمة، مستندة إلى تجربة تاريخية اعتمد فيها لبنان على الدعم الخارجي من دول شقيقة وصديقة لتحمّل أعباء مماثلة، فيما يثير هذا الموقف تساؤلات متزايدة حول الأولويات والخيارات المتاحة داخليًا.

 

مقاربة الحكومة لهذا الملف تنقسم إلى مسارين. الأول يربط أي تمويل خارجي بجملة شروط سياسية وأمنية واقتصادية تتطلب توافقات داخلية تبدو صعبة التحقيق في ظل الانقسام الحاد حول قضايا السيادة والسلاح والوصاية الخارجية. ورغم تبنّي الحكومة قرارًا مبدئيًا يتعلق بنزع سلاح المقاومة، ترى أن هذا القرار يجب أن يقابله دعم دولي يخفف الأعباء عن الداخل اللبناني، إلا أن سقف المطالب الأميركية والإسرائيلية والسعودية يتجاوز قدرة الحكومة على الاستجابة، ما يعمّق المأزق القائم.

 

أما المسار الثاني، فيتعلق بإمكانية تأمين جزء من كلفة الإعمار من مصادر محلية، وهو خيار لم يُبحث بجدية منذ تولي الحكومة مهامها. فلم تُعقد جلسة واحدة مخصصة لهذا الملف، ولا توجد أرقام رسمية دقيقة للكلفة، فيما يذهب بعض أطراف السلطة إلى التعامل مع الإعمار كمسؤولية فئة محددة لا كواجب وطني جامع، في سياق يعكس أزمة أعمق تتصل بحقوق اللبنانيين تجاه دولتهم واستعادة الأموال المنهوبة والودائع المحتجزة.

 

غير أن نقاشات جرت في الأشهر الماضية أظهرت أن الحكومة تمتلك هامشًا ذاتيًا يسمح بتأمين مبالغ وازنة لإطلاق مرحلة أولى من الإعمار. فموازنات عامي 2025 و2026 تتيح، وفق تقديرات مالية، إدخال تعديلات على بعض بنود الإنفاق من دون المساس بمصالح المواطنين، بما يوفّر ما يقارب نصف مليار دولار. ويضاف إلى ذلك موجودات الدولة بالليرة والدولار، والوفورات التي أعلن عنها وزير المالية ياسين جابر، فضلًا عن أموال مخصصة من الحكومة العراقية مقابل تزويد مؤسسة كهرباء لبنان بالفيول، إضافة إلى اعتمادات قائمة في موازنات الوزارات وقرض البنك الدولي، ما يشكّل مجتمِعًا قاعدة مالية كافية لإطلاق الإعمار من دون انتظار التمويل الخارجي.

 

في هذا الإطار، أقرّ رئيس الحكومة نواف سلام، خلال اجتماع مع وفد من حزب الله، بأن الحكومة عاجزة عن توفير أكثر من 50 مليون دولار إضافية لبرنامج الإعمار، لكنه لم يعترض على أي خطوات قد يتخذها وزير المالية لتأمين مبالغ أكبر. وقد عرض الوفد مقاربة تقوم على التدرج، معتبرًا أن المطلوب حاليًا خطوات عملية، أبرزها تمويل أعمال الترميم الإنشائي لإعادة أكثر من عشرة آلاف عائلة إلى منازلها، بكلفة لا تتجاوز 150 مليون دولار.

 

ورغم تخصيص الحكومة مبالغ لمجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، بقي السؤال مطروحًا حول قدرة وزارة المالية على تأمين اعتمادات إضافية، خصوصًا في ظل الحديث عن امتلاكها نحو ثلاثة مليارات دولار ووفورات متراكمة. إلا أن الوزير جابر يكرر تبريرًا واحدًا، مفاده أن أي إنفاق إضافي سيؤدي إلى عجز في الموازنة يخالف شروط صندوق النقد الدولي، وقد ينعكس سلبًا على سعر صرف الليرة.

 

غير أن هذه الحجج سقطت أمام مواقف صريحة لمسؤولين ماليين محليين ودوليين. فقد أكد مصدر بارز في صندوق النقد الدولي أن الصندوق لا يفرض شروطًا على برامج مرتبطة بإعادة إعمار ما بعد الحروب أو الكوارث، فيما شدد مسؤولون في بيروت ومصرف لبنان على أن استخدام جزء من الوفورات لا يشكل خطرًا حتميًا على سعر الصرف، وأن المصرف المركزي قادر على استيعاب ذلك من دون اهتزازات كبرى.

 

أمام هذه المعطيات، يتقدّم البعد السياسي إلى الواجهة. فوزير المالية يُنظر إليه كجزء من توازنات خارجية، وتدور في الكواليس فرضيات عن استثماره سياسيًا تمهيدًا لدور نيابي وربما أبعد، في سياق ضغوط أميركية وسعودية تهدف إلى إعادة رسم التوازنات داخل المجلس النيابي، بما يشمل موقع رئاسة المجلس. هذا الواقع يفسّر، وفق مصادر سياسية، غياب الحماسة لدى الوزير جابر لدفع ملف الإعمار، رغم معرفته الدقيقة بالهوامش المتاحة داخل الموازنة وقدرته على تأمين مئات ملايين الدولارات عبر خفض نفقات غير ذات أولوية.

 

وفي ظل اتساع دائرة المتضررين واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتردّد السؤال نفسه على ألسنة سياسيين ونواب من مختلف الاتجاهات: إذا كانت الإمكانات متوافرة والحجج التقنية غير مقنعة، فهل يتدخّل رئيس مجلس النواب نبيه بري ويدفع نحو قرار سريع يُجبر وزارة المالية على فتح باب الإعمار ووضع حد لمعاناة مئات آلاف اللبنانيين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce