
نصب جديد في طهران يعيد إشعال جدل الهوية بين الإمبراطورية والدين
نصب جديد في طهران يعيد إشعال جدل الهوية بين الإمبراطورية والدين
أثار حفل إزاحة الستار عن نصب جديد في ساحة انقلاب وسط طهران جدلاً واسعاً، بعدما استحضرت السلطات الإيرانية رمزاً تاريخياً يخلّد انتصار الملك الساساني شابور الأول على الإمبراطور الروماني فاليريان عام 260 ميلادية. ورغم أن مثل هذه الاحتفالات تُعدّ مألوفة، فإن توقيت الحدث جاء في ظل ظرف سياسي وأمني حساس، عقب الهجوم الجوي الإسرائيلي ـ الأميركي الذي استمر أسبوعين وأصاب مناطق في العاصمة بأضرار كبيرة.
حاول المسؤولون، وعلى رأسهم رئيس بلدية طهران، استخدام المناسبة لتبديد الانطباع الشعبي والدولي حول تراجع قدرة إيران العسكرية، والتأكيد على صمود الدولة، في خطوة رآها مراقبون جزءاً من محاولة إعادة ترميم صورة القوة الإيرانية. وجاء شعار الحفل، “ستركعون أمام إيران مرة أخرى”، ليعكس هذا التوجه القومي بوضوح.
يمثل النصب مشهداً تاريخياً يظهر فاليريان راكعاً أمام شابور الممتطي حصانه، في صورة تستثمرها السلطة لاستعادة رمزية الماضي الإمبراطوري. ويشير محللون إلى أن هذا الربط بين الماضي والحاضر يعكس إشكالية عميقة في تعريف الهوية الإيرانية، التي تتأرجح بين القومية الفارسية القديمة والهوية الدينية الشيعية التي ترسّخت منذ العهد الصفوي وبلغت ذروتها مع الثورة الإسلامية.
ورغم نجاح النظام في ترسيخ هوية مذهبية جامعة، ما زالت الثنائية القومية ـ الدينية تفرض نقاشاً مستمراً داخل النخب الفكرية والسياسية. فخطاب الجمهورية الإسلامية سعى، خصوصاً بعد حربها مع العراق، إلى طمس التعددية العرقية والمذهبية داخل مفهوم أمني مركزي، يحوّل الهوية إلى أداة سياسية في مواجهة الخارج.
دراسات غربية عدة تناولت هذه الإشكالية من منظور أحادي، معتبرة إيران كتلة متجانسة، بينما تشير أبحاث حديثة إلى أن الخطاب الإيراني الرسمي يحجب عمداً التناقضات الداخلية بين القومية الفارسية والإسلام السياسي. ويرى باحثون أن النظام يجمع في خطابه بين تمجيد التراث الفارسي القديم واستحضار السردية الدينية، سعياً إلى بناء إطار أيديولوجي واحد يبرّر نفوذه الإقليمي ويواجه القوى الغربية.
ويبرز هذا التناقض أيضاً في الممارسات الاجتماعية التي تحيي طقوساً فارسية قديمة، مثل “الأربعاء الأحمر” قبل عيد النوروز، وفي اعتماد التقويم الزرادشتي الشمسي إلى جانب التقويم القمري الإسلامي. كما واجهت المؤسسة الدينية انتقادات من مفكرين مثل علي شريعتي، لدمجها عناصر قومية في بنية المذهب الشيعي بهدف ترسيخ شرعيتها.
وتشير أبحاث أخرى إلى أنّ المذهب الشيعي في إيران شهد تحولات عميقة منذ العصر الصفوي، متأثراً بالتيارات الباطنية والروايات الرمزية، إلى حدّ اقترابه من بعض العناصر المستلهمة من الديانات الإبراهيمية الأخرى، كما يوضح الباحث الإيراني محمد علي أمير معزي في كتابه “دين الكتمان”.
في ظل هذه الخلفية، يبقى النظام الإيراني عالقاً بين طموحاته الإقليمية وحدوده الجيوسياسية، وبين رؤيتين متعارضتين لهويته. ومع استمرار الفجوة بين الماضي الإمبراطوري والمشروع الديني المعاصر، يجد سؤال الهوية الإيرانية نفسه أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.



