
كلمات الأسد المسرَّبة تشعل السجال: لماذا اهتزّت بيئة “حزب الله”؟
كلمات الأسد المسرَّبة تشعل السجال: لماذا اهتزّت بيئة “حزب الله”؟
أحدثت التسريبات المصوّرة للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، والتي التُقطت خلال جولة له في الغوطة الشرقية عام 2018، صدمة واسعة داخل بيئة “حزب الله” وجمهوره، خصوصًا لدى الذين اعتقدوا طيلة سنوات أن الحزب قدّم أثمانًا بشرية كبيرة دفاعًا عن النظام السوري السابق، الذي شكّل أحد ركائز التحالفات الإقليمية للحزب.
لم تكن الصدمة ناتجة فقط عن مضمون كلام الأسد الذي بدا متعالياً ومُقلِّلاً من دور “حزب الله” في مرحلة مفصلية من الصراع السوري، بل اتسعت لتشمل أسلوب الخطاب نفسه، والذي اعتبره كثيرون استخفافًا واضحًا بحجم التضحيات والخسائر التي تكبّدها الحزب وبيئته الاجتماعية دفاعًا عن هذا التحالف.
أعادت هذه التسريبات فتح نقاش داخلي مؤجّل، ودفعَت شريحة واسعة من مناصري الحزب إلى إعادة تقييم قرار الانخراط العسكري في الحرب السورية لحماية بقاء الأسد في السلطة. وتوزعت ردود الفعل على ثلاثة اتجاهات رئيسية.
في الاتجاه الأول، سارع مؤيدون للحزب إلى نفي صحة التسريبات، واعتبروها مفبركة أو خاضعة لتقنيات “التزييف العميق” بهدف ضرب صورة الحزب وتشويه قراراته، رغم تأكيد خبراء صحة الفيديو المتداول. وتمسّك أصحاب هذا الموقف برواية أن ما جرى جزء من حملة إعلامية تستهدف الحزب في ظل المتغيرات الإقليمية.
أما الاتجاه الثاني، فلم ينكر صحة التسريبات ولا ألم مضمونها، لكنه فصل بين قرار الحزب الاستراتيجي وبين شخص بشار الأسد وخطابه. ويرى أصحاب هذا الرأي أن التدخل العسكري في سوريا كان مرتبطًا بحسابات تتجاوز الرئيس السابق، وتشمل خط الإمداد الإقليمي واعتبارات الردع والصراع مع إسرائيل، معتبرين أن المعركة كانت أوسع من الفرد.
وربط هذا الاتجاه بين سقوط النظام السوري لاحقًا وبين التبدلات التي يعيشها “حزب الله” اليوم، بما في ذلك تراجع قدرته على الرد على الاعتداءات كما كان يحدث سابقًا، معتبرين أن غياب النظام شكّل نقطة تحوّل رئيسية في قواعد الاشتباك.
أما الاتجاه الثالث، وهو الأكثر تأثرًا بالصدمة، فقد عبّر عن غضب عارم وتساؤلات جوهرية حول جدوى المشاركة في الحرب السورية. ويرى أصحابه أن التضحيات الضخمة التي قدّمتها البيئة الحاضنة للحزب لم تجد ما يقابلها على مستوى التقدير، وفق ما عكسته التسريبات، محمّلين قرار التدخل مسؤولية خسائر بشرية واجتماعية ومعنوية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
تجاوز تأثير التسريبات بعدها المباشر، ليتحول إلى محطة مراجعة داخل بيئة الحزب، بعدما أعاد إلى الواجهة أسئلة كانت تُرحَّل دائمًا تحت شعارات “المعركة المصيرية” و”الضرورة الاستراتيجية”. ومع تغيّر الظروف وسقوط النظام السوري، برز حجم التباين في قراءة تلك المرحلة الحساسة، بين من ينكر، ومن يبرر، ومن يطالب بإعادة تقييم شاملة.
ومهما تباينت المواقف، يبقى واضحًا أن تسريبات الغوطة أحدثت شرخًا في الوعي الجمعي داخل بيئة “حزب الله”، وأن النقاش حول كلفة الحرب السورية وخياراتها سيظل مفتوحًا ما دامت آثار تلك المرحلة قائمة وأسئلتها بلا إجابات حاسمة.



