مقالات

هل خسرت روسيا أوراقها في سوريا؟ قراءة معمّقة في مكاسب موسكو بعد رحيل الأسد

هل خسرت روسيا أوراقها في سوريا؟ قراءة معمّقة في مكاسب موسكو بعد رحيل الأسد

أثار التغيير المفاجئ في سوريا فجر الثامن من ديسمبر (كانون الأول) موجة واسعة من التحليلات الغربية التي رأت أن موسكو تواجه نكسة كبيرة قد تقوّض ما حققته خلال عقد من التدخل العسكري المباشر. وذهبت بعض التقديرات إلى اعتبار ما حدث «هزيمة» للمشروع الروسي في سوريا على المستويات السياسية والعسكرية.

 

اقتصادياً، لا تبدو خسائر موسكو كبيرة، إذ لم تكن الاستثمارات الروسية في سوريا ذات وزن يوازي حضورها السياسي والعسكري الطويل، رغم مشاركتها على مدى عقود في إنشاء بنى تحتية وتعزيز مواقعها في قطاعات عدة، خصوصاً الطاقة.

 

أما سياسياً، فقد كشفت التطورات الأخيرة محدودية النموذج الروسي في إدارة التحالفات الإقليمية. وبرز هذا الضعف عندما اضطرت موسكو إلى التخلي سريعاً عن بشار الأسد، رغم تأكيداتها السابقة بأنها لن تفعل ذلك، خصوصاً بعدما أصبح التعامل معه يشكّل عبئاً يعرقل خطط الحد من المخاطر الإقليمية ومسارات التطبيع التي حاولت دفعها.

 

وتشير تصريحات الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني إلى أن جانباً كبيراً من مسار الحسم العسكري، بعد معركة حلب، جرى بتنسيق مباشر مع موسكو لضمان حيادها وحماية مصالحها، مع منح الأسد ضمانات شخصية وتوجيه القوات النظامية بعدم المواجهة. وسمح ذلك للكرملين بتقليص خسائره السياسية إلى الحد الأدنى، خصوصاً مع تعهد الحكومة السورية الجديدة بالحفاظ على الوجود العسكري الروسي.

 

عسكرياً، تعمل موسكو على تثبيت وجودها في قواعد حميميم وطرطوس، وإعادة تعزيز حضورها في مطار القامشلي، فضلاً عن بحث استئناف الدوريات المشتركة في الجنوب السوري للحد من التوغلات الإسرائيلية وإحياء آليات الوساطة السابقة. كما أظهرت الدوريات المشتركة في شمال شرقي البلاد إمكانية لعب دور لخفض التوتر مع «قسد» بالتنسيق مع تركيا والولايات المتحدة.

 

ترافق ذلك مع طلبات سورية رسمية بمساعدة روسيا في إعادة تأهيل الجيش وتسليحه، بما يعيد تأكيد أهمية الوجود الروسي على البحر المتوسط، مع احتمال تعديل الاتفاقات العسكرية لضمان مصالح الطرفين.

 

ورغم الحديث عن «خسارة» روسية، فإن الوقائع الميدانية أثبتت أن موسكو خرجت بمكاسب عسكرية لافتة. فبحسب تقارير رسمية ومدنية، كانت خسائرها البشرية والمادية خلال عشر سنوات من الحرب محدودة جداً مقارنة بحروب أخرى، فيما شكلت سوريا حقل تجارب واسعاً لتطوير الأسلحة الحديثة وتحسين الأداء القتالي.

 

وبعد ثلاث سنوات من التدخل المباشر، أعلن وزير الدفاع السابق سيرغي شويغو أن الجيش الروسي اختبر أكثر من 350 نوعاً من الأسلحة في سوريا، بما في ذلك صواريخ كاليبر المجنحة والطائرات المسيّرة والمروحيات المطوّرة. وأشار الرئيس فلاديمير بوتين مراراً إلى أن التجارب القتالية في سوريا وفّرت فرصة لا مثيل لها لصقل القدرات العسكرية الروسية.

 

كما شهدت سوريا أول استخدام واسع للطائرات المسيّرة بنسخ مرخّصة من تقنيات إسرائيلية، وتجارب ميدانية لمدرعات «تايفون»، إضافة إلى اختبار منظومات «بانتسير» و«إسكندر» في بيئة قتال حقيقية للمرة الأولى.

 

ويرى خبراء أن هذه المشاركة العسكرية الواسعة ساعدت موسكو على إعادة بناء مؤسستها العسكرية وتعزيز قدراتها الصناعية، ما شكّل عاملاً حاسماً في تحضير الجيش الروسي لعملياته اللاحقة، لا سيما في أوكرانيا.

 

وبذلك، ورغم الخسائر السياسية التي واجهتها روسيا في سوريا، فإن مكاسبها العسكرية والاستراتيجية جعلتها «غير خاسرة تماماً»، بل مستفيدة من التجربة التي منحتها تفوقاً ميدانياً يصعب تجاهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce