
صراع الغاز في الساحل السوري: ضغوط روسية وتصاعد النفوذ الأميركي في سباق الطاقة
صراع الغاز في الساحل السوري: ضغوط روسية وتصاعد النفوذ الأميركي في سباق الطاقة
شهد الساحل السوري خلال الأيام الماضية سلسلة تطورات متلاحقة تسلّط الضوء على تنافس دولي وإقليمي متصاعد للسيطرة على موقع استراتيجي يُتوقّع أن يصبح محوراً لخطوط الطاقة نحو أوروبا. وتكشف هذه التطورات عن موقع دفاعي لروسيا مصحوب بسياسة ابتزاز، مقابل اندفاع أميركي متسارع لقيادة مسار قد يمنح سوريا دوراً متقدماً في خريطة إنتاج الغاز وتصديره.
وبدأت مؤشرات هذا التغيير بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع وفداً من شركة “شيفرون” الأميركية في دمشق لبحث فرص الاستكشاف النفطي في الساحل السوري، بحضور ممثلين عن شركة “يو سي سي” القطرية، التي تقود تحالفاً يضم شركات أميركية وتركية في مشاريع طاقة بقيمة 7 مليارات دولار، باتت عقودها التنفيذية قيد التطبيق منذ الشهر الماضي.
وفي اليوم التالي، برز تصريح لافت لنائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، اعتبر فيه أن القواعد الروسية عنصر أساسي في “استقرار سوريا”. وجاء هذا التصريح قبل يومين فقط من تحقيق “رويترز” الذي كشف عن مشروعين للتمرد المسلح في الساحل يقودهما كمال حسن ورامي مخلوف من منفاهما في موسكو، مع تأكيد أن السلطات الروسية على علم بهذه التحركات وقد زارت ممثليهما بصورة غير رسمية، في رسالة اعتبرها مراقبون شكلاً من أشكال الضغط على دمشق.
ورغم تراجع الاهتمام الروسي بالمشروعين بعد زيارة الشرع لموسكو في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أن المعطيات التي نُشرت تتزامن مع تحركات أميركية لافتة باتجاه الثروات الباطنية للساحل السوري، والموقع الذي يمكن أن يتحول إلى منصة لتصدير الغاز نحو أوروبا، خاصة بعد أن كانت هذه المنطقة تحت الهيمنة الروسية حتى سقوط النظام السابق.
وتأتي هذه المستجدات على وقع قرار الاتحاد الأوروبي وقف استيراد الغاز الروسي تدريجياً بحلول نهاية 2027، وهو ما يعزّز البحث عن بدائل. وفي هذا السياق أعلن مسؤولون سوريون قبل أيام أن دمشق وبغداد يعملان على تسريع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس بدعم أميركي، ضمن جهود أوسع لربط الطاقة بين البلدين.
وترجّح هذه المؤشرات أن موسكو تمارس ضغوطاً على الحكومة السورية عبر الإبقاء على رموز النظام السابق كورقة احتياط، تُستخدم في حال لم تتوصل إلى تفاهمات مقبولة بشأن مصالحها في سوريا. فروسيا تملك اتفاقيات موروثة تمنحها حق التنقيب في الساحل، لكن تنفيذها تعطّل بفعل العقوبات الغربية، إضافة إلى رغبتها السابقة في إبقاء ثروات الساحل خارج خريطة خطوط الطاقة لحماية قدرة غازها على المنافسة في أوروبا. إلا أن تحوّلات الحرب الأوكرانية وقرار الأوروبيين التخلي عن الغاز الروسي جعل هذا النهج غير قابل للاستمرار.
وبناءً على ذلك تبدو سوريا أمام سيناريوهين: إما خوض مواجهة أمنية دقيقة لتحييد نفوذ بقايا النظام السابق في الساحل، وإدارة هذا الملف دون الانزلاق إلى الانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال آذار/مارس الماضي، أو الوصول إلى تسوية مع موسكو تضمن ألا يُستخدم ملف المنفيين كورقة ضغط مستمرة. وتشير المؤشرات إلى أن واشنطن وعدداً من القوى الإقليمية ينسّقون مع دمشق للحد من هذه المخاطر، فيما يبقى التحدي الأمني في الساحل إحدى أكبر المعارك التي ستواجهها سوريا في المرحلة المقبلة.



