
لقاء الشرع والجربا يعيد رسم الخارطة: هل تفتح العشائر أبواب الشرق للدولة؟
لقاء الشرع والجربا يعيد رسم الخارطة: هل تفتح العشائر أبواب الشرق للدولة؟
يشهد شرق سوريا لحظة سياسية دقيقة أعادت القبائل والعشائر إلى واجهة المشهد، بعدما تحوّلت من دور هامشي إلى عنصر أساسي في معادلة السيطرة والشرعية. ففي الرقة والحسكة ودير الزور، بات واضحاً أن أي إدارة ناجحة تمرّ عبر هذه البنية الاجتماعية التي تحدد ولاءات القرى وتوجّه العائلات في مفترقات السياسة والحرب.
الإدارة السورية الجديدة، الساعية لاستعادة سلطة الدولة دون الانزلاق إلى مواجهات عسكرية، تدرك أن طريق العودة إلى الشرق لا يمر بالدبابات بل عبر مشايخ العشائر. وفي المقابل، تدرك قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن مشروع “الحكم الذاتي” لن يصمد دون دمج المكوّن العربي العشائري في منظومة الحكم، وهو ما يفسّر تمسّكها بوجود قوة عشائرية مثل “قوات الصناديد” رغم محدودية تأثيرها.
في هذا السياق، اكتسبت زيارة شيخ مشايخ شمر، مانع حميدي دهام الجربا، إلى دمشق ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع، ثم اجتماعه بقائد “قسد” مظلوم عبدي في الحسكة، دلالة سياسية كبرى تعكس مشهداً ثلاثي الأقطاب: الدولة، والإدارة الذاتية، والعشائر. وتشير مصادر متطابقة إلى أن لقاء الجربا بالرئيس الشرع تركز على “دمج المنطقة الشرقية ضمن مؤسسات الدولة” وفتح قناة تواصل جديدة مع القبائل.
وتزامنت هذه الزيارة مع لقاءات للجربا في حمص مع وجهاء العشائر العربية، في خطوة فسّرها متابعون بأنها محاولة لجمع موقف موحد قبل التوجه نحو تفاهمات سياسية. ويرى مراقبون أن حضور شيخ شمر في قصر الشعب بعد سنوات من التهميش مؤشر إلى رغبة دمشق في بناء علاقة جديدة مع المكوّنات المحلية، ما قد يدفع بعض شيوخ العشائر المرتبطين بقسد إلى إعادة تقييم خياراتهم.
وتكتسب قبيلة شمر وزناً خاصاً باعتبار امتدادها الإقليمي في العراق والأردن والسعودية، إضافة إلى وجودها في مناطق واسعة من الجزيرة السورية.
وقال الشيخ مضر حماد الأسعد، المنسق العام للمجلس الأعلى للعشائر السورية، إن لقاء الشرع بالجربا يأتي في إطار تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2024 مع قسد، مشيراً إلى أن الملفين الأكثر حساسية هما الاعتقالات الواسعة للعشائر العربية ونهب الموارد النفطية والزراعية، إضافة إلى تدفّق مقاتلين مدعومين من الخارج إلى شرق الفرات.
وأكد الأسعد أن العشائر العربية كانت شريكاً أساسياً في الثورة السورية وقدمت آلاف الضحايا، وأنها اليوم تقود احتجاجات سلمية تطالب بحل سياسي يضمن وحدة سوريا ووقف الانتهاكات. وشدد على أن الخلاف ليس مع المكوّن الكردي، بل مع قسد باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
على مدى عقود، عاشت شمر حالة من التهميش في ظل النظام السابق، ما دفع بعضها للتعاون مع الإدارة الذاتية خلال سنوات الفوضى وصعود “داعش”. أما اليوم، ومع خطاب دمشق الجديد القائم على “وحدة المؤسسات”، تجد القبيلة نفسها أمام خيارات متباينة بين الاستمرار في تحالفها مع قسد أو الانفتاح على الدولة أو الجمع بين المسارين.
وتعمل الإدارة السورية الجديدة على بناء شبكة علاقات عشائرية منظمة عبر لجان “مصالحة عشائرية” في الرقة وتعيين شخصيات قبلية في مؤسسات المحافظات. ويرى مراقبون أن العشائر ليست بديلاً عن الدولة، لكنها قد تكون البوابة الأكثر واقعية لعودة مؤسساتها إلى المناطق الخارجة عن سيطرتها دون صدام مباشر.
من جانبه، قال الشيخ خالد الحماد، المشرف على مركز وسط للدراسات، إن “قوات الصناديد” لا تمثل قوة عسكرية حاسمة، لكنها تحمل رمزية عشائرية تساعد في تعزيز التعاون بين المكوّنات المحلية. وأوضح أن دمشق تعمل حالياً على تنظيم البنية العشائرية مؤسسياً عبر تعيين الشيخ جهاد عيسى مستشاراً لشؤون القبائل وافتتاح مكاتب عشائرية في مختلف المحافظات.
وأوضح الحماد أن لقاء الشرع بالجربا يحمل طابعاً رمزياً، في حين أن التفاوض الحقيقي يجري عبر لجان مشتركة بين الدولة وقسد لتنفيذ بنود الاتفاقات الموقعة. ويعتبر محللون أن دمشق تحتاج إلى شراكات محلية لتجنب الفراغ الأمني إذا ما تم حلّ التشكيلات غير التابعة للدولة، ما يجعل الدور العشائري عاملاً حاسماً في الاستقرار القادم.
ورغم تضخيم دور “الصناديد”، فإن القوة العشائرية تحتفظ بثقل رمزي يمنح قسد غطاءً عربياً، لكن هذا الرصيد بدأ يتراجع مع تصاعد التوترات الداخلية. ويرى مراقبون أن تقارب الجربا مع دمشق يُنظر إليه داخل قسد كاختبار للولاء، وهو ما دفع مظلوم عبدي إلى عقد اجتماع سريع معه في الحسكة، مؤكداً أهمية مشاركة العشائر في تنفيذ اتفاق 10 آذار، ومُلمحاً إلى أن مستقبل المنطقة مرهون بقدرة قسد على الاستجابة لمطالب المكوّن العربي.



