
تحولات إقليمية بعد زيارة بن سلمان لأميركا
تحولات إقليمية بعد زيارة بن سلمان لأميركا
حظيت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن باهتمام واسع، بعدما رافقها استقبال بروتوكولي غير مسبوق، اعتبره مراقبون الأكبر من نوعه الذي يحظى به زعيم من الشرق الأوسط منذ عقدين. فرغم أن الزيارة عُرّفت رسميًا كزيارة عمل، جاءت مراسمها على مستوى زيارات الدولة، من إطلاق 19 طلقة مدفعية، وتحليق سرب يضم ثلاث مقاتلات F-35، وصولًا إلى مأدبة العشاء الرسمية التي أقامتها سيدة البيت الأبيض بحضور كبار رجال السياسة والاقتصاد.
ورغم أن الإعلام الإسرائيلي الناطق بالروسية لم يتوقف مطولًا عند مظاهر الحفاوة، فإنه ركّز على مسألة بيع طائرات F-35 للسعودية، وهي الخطوة التي حسمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام من وصول بن سلمان. ونقلت وكالة “أسوشييتدبرس” عنه قوله إن الرياض ترغب في شراء “عدد كبير” من الطائرات، مؤكدًا أنه يدرس الصفقة. ورغم تقديرات سابقة تحدثت عن ضعف احتمالات إتمام البيع، أشارت مواقع إسرائيلية إلى أن تل أبيب لا تخشى فقدان تفوقها العسكري النوعي، بالنظر إلى التفاهمات الاستراتيجية القائمة بينها وبين واشنطن، والتي تضمن بقاء إسرائيل في موقع التفوق التقني.
وبحسب هذه المصادر، ستتسلم السعودية طائرات بمواصفات أقل تطورًا من النسخة الإسرائيلية، ولن تُزوّد بأحدث أنظمة التسليح والحرب الإلكترونية. وعلى الرغم من أن الرياض لا تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل، فقد لوّح ولي العهد خلال زيارته باستعداد بلاده للتطبيع مقابل تقدم ملموس نحو حلّ الدولتين، وهو ما يرفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل متكرر.
وتوسّعت التغطيات الإسرائيلية في تحليل أبعاد التحالف الأميركي-السعودي الجديد. ونقلت مواقع متعددة، منها detaly و”هآرتس”، أن العرض الرمزي لمقاتلات F-35 خلال استقبال بن سلمان عكس تحوّلًا في الهيكل السياسي الإقليمي، مع سعي واشنطن والرياض إلى بناء منظومة جديدة من المصالح تتجاوز الشروط التقليدية التي كانت تربط صفقات الأسلحة بمسارات سياسية مثل التطبيع.
وتشير هذه التحليلات إلى أن إعلان ترامب بيع الطائرات دون ربطها بتقدم في العلاقات السعودية-الإسرائيلية، يعكس إعادة رسم قواعد اللعبة، بحيث تصبح كل خطوة أو صفقة قائمة بذاتها، من دون إلزام الرياض بالتطبيع قبل إحراز تقدم في القضية الفلسطينية. ويذهب كتّاب إسرائيليون إلى أن السعودية باتت تُعامل كشريك استراتيجي كامل، فيما تراجع الدور الإسرائيلي من موقع الحليف المحوري إلى “عامل تكتيكي” ضمن رؤية أوسع تقودها الإدارة الأميركية.
وترى هذه القراءات أن ترامب لا يزال ملتزمًا بأمن إسرائيل، لكنه لم يعد يقيس هذا الالتزام من منظور القيم المشتركة أو التفوق الديمقراطي المفترض، بل من زاوية المصالح العسكرية والاقتصادية. وفي هذا الإطار، تتضاءل الفوارق التي لطالما ميّزت إسرائيل عن دول عربية كالسعودية وقطر والإمارات.
أما مجلة “ليخايم” اليهودية الروسية، فاعتبرت على لسان محلل يحمل اسم لي سميث أن زيارة بن سلمان شكّلت محطة فاصلة، إذ طوت المرحلة التي كانت فيها “اتفاقات أبراهام” تشكل هندسة السياسة الإقليمية الأميركية. ووفق المجلة، فإن إدارة ترامب تسعى إلى فكّ الارتباط التدريجي عن صراعات الشرق الأوسط للتركيز على الصين، بينما حصلت واشنطن من الرياض على ما تريده بالفعل: استثمارات ضخمة وصفقات أسلحة تعيد إحياء تفاهمات عام 1945 بين عبد العزيز آل سعود وروزفلت حول الأمن والنفط.
وتخلص هذه القراءة إلى أن المتغيرات الإقليمية، من الضربة المشتركة للمنشآت النووية الإيرانية إلى التطورات الأخيرة في غزة، جعلت تجاهل القضية الفلسطينية أمرًا غير ممكن، ما أفقد “اتفاقات أبراهام” بُعدها السابق، وجعل المنطقة أمام مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة التحالفات وموازين القوى.



