مقالات

عمل الأطفال في لبنان يتفاقم: جيلٌ كامل يدفع ثمن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي

عمل الأطفال في لبنان يتفاقم: جيلٌ كامل يدفع ثمن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي

في يوم الطفل العالمي، يعود ملف عمل الأطفال في لبنان إلى الواجهة بوصفه أحد أخطر مؤشرات الانهيار الذي يضرب الاقتصاد ونظام الحماية الاجتماعية. ففي الفترة الممتدة بين 2019 و2024، ارتفعت نسبة الأطفال العاملين من حوالى 7% إلى ما يقارب 15%، بعدما كانت لا تتجاوز 1.6% في عام 2009، وفق تقديرات “اليونيسف”. أي أنّ طفلًا من بين كل ستة أطفال يُجبر اليوم على الانخراط في سوق العمل، في تحوّل يعكس اتساع الظاهرة وتبدّل طبيعتها داخل سوق العمل غير المنظّم. فقد تجاوز عمل الأطفال القطاعات التقليدية ليصل إلى مهن خطرة تشمل ورش البناء والصناعات الكيميائية والميكانيك وتجميع النفايات والتسوّل المنظّم، إضافة إلى أشكال متعددة من العمالة غير القانونية، ما يعرّضهم لمخاطر الاستغلال والعنف والتحرش والإصابات الجسدية والأمراض المزمنة.

 

تضخّمت الظاهرة بفعل تراكُم ثلاث أزمات متوازية: الانهيار الاقتصادي والمالي الذي وصفه البنك الدولي بأنه من بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع انهيار قيمة الليرة وتراجع مدخرات الأسر ووقوع 80% من السكان تحت خط الفقر؛ الأزمة التعليمية التي دفعت نحو 30% من الأطفال للانسحاب من المدارس، وتضاعفت النسبة في مناطق الأطراف لتصل إلى 50% بسبب تكاليف التعليم أو حاجة الأسرة إلى دخل إضافي؛ وانهيار شبكة الأمان الاجتماعي والخدمات العامة، ما يجعل دخل الطفل، مهما كان ضئيلاً، مصدرًا أساسيًا لبقاء العائلات الأكثر فقرًا.

 

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأطفال الذكور، إذ تسجّل مناطق الأطراف ارتفاعًا غير مسبوق في تزويج القاصرات. وتشير بيانات “التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني” إلى أنّ معدلات تزويج الأطفال تجاوزت 27% في بعض المناطق، بينما بلغ المعدل العام نحو 20% بحسب دراسة وطنية شملت 1300 عيّنة.

 

رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في وزارة العمل، نزهة شليطا، توضح أن الأرقام الدقيقة نادرة، لكنّ تفاقم الظاهرة واضح خلال السنوات الأخيرة. وتشير إلى أنّ القطاع الزراعي يستوعب النسبة الأكبر من الأطفال العاملين، خصوصًا من الجنسية السورية، مع تزايد ملحوظ في أعداد الأطفال اللبنانيين المنخرطين في العمل. وتحذّر شليطا من مبالغة بعض التقارير الصادرة عن منظمات غير حكومية بهدف استقطاب التمويل، مؤكدة ضرورة التنسيق مع اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال لضمان الشفافية.

 

وتضيف شليطا أن الوحدة تركز على القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، ولا سيما استغلالهم في المخدرات، والدعارة القسرية، والنزاعات المسلحة. وتشدد على التزام الوزارة بمكافحة الظاهرة تدريجيًا، ومتابعة تطبيق الاتفاقات الدولية والعربية، بالتعاون مع الهيئات المختصة.

 

أما خطة العمل الوطنية التي أطلقت عام 2013 للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال بحلول 2016، فقد تعثرت بسبب غياب التمويل وإقفال المراكز المخصصة لها في المناطق. وتعمل الوزارة حاليًا على تعديل الخطة وإعادة إطلاقها بين 2025 و2026، بهدف تحقيقها في 2028، بالتعاون مع الأمن العام الذي سيشارك في التفتيش وإعداد البيانات الميدانية.

 

من جهته، يشير مكتب “اليونيسف” في لبنان إلى أن أبرز القطاعات التي تستقطب الأطفال العاملين هي المحال التجارية والزراعة والبيع في الشوارع، حيث يواجهون العنف والإصابات والمشاكل الصحية في بيئات تفتقر إلى معايير السلامة. وتدعو المنظمة إلى تعزيز الإطار القانوني لحماية الأطفال، وتطوير برامج الرعاية الاجتماعية، وإعادة دمج الأطفال في التعليم، وتنفيذ حملات توعية شاملة للأهل والمجتمع، باعتبار هذه الخطوات أساسية لكسر دائرة الاستغلال وبناء بيئة آمنة للأطفال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce