أخبار دولية

زيارة الجربا إلى دمشق تعيد خلط أوراق شرق الفرات وتكشف هشاشة الواجهة العربية داخل “قسد”

زيارة الجربا إلى دمشق تعيد خلط أوراق شرق الفرات وتكشف هشاشة الواجهة العربية داخل “قسد”

تأتي زيارة شيخ قبيلة شمر، مانع حميدي دهام الجربا، إلى دمشق ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع في لحظة سياسية حساسة تعيشها مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). فالحدث تجاوز طابعه البروتوكولي ليعكس تحولاً عميقاً في موازين القوى داخل شرق الفرات، حيث بدأت الواجهة العربية التي اعتمدت عليها “قسد” لسنوات بالتفكك، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين القيادة الكردية والعشائر العربية.

 

تقرأ الزيارة في إطار إقليمي واسع نظراً إلى العلاقات التي حافظ عليها الجربا مع التحالف الدولي خلال الحرب على “داعش”، ودور قواته “الصناديد” كقوة عربية اعتمدت عليها واشنطن ميدانياً. وفي الوقت الذي تنظر فيه تركيا بحساسية إلى أي تموضع عربي خارج عباءة “قسد”، ترى دمشق في لقاء الجربا فرصة لإطلاق رسائل متعددة: أولها إلى واشنطن بأن الدولة السورية ما تزال المرجعية الأكثر استقراراً للعرب في الشرق، وإلى أنقرة بإمكانية بناء بديل عربي عن مشروع الإدارة الذاتية، وإلى القوى الإقليمية بأن جذور الفراغ شرق الفرات يمكن أن تعود إلى سلطة الدولة لا إلى قوى خارج الحدود.

 

منذ سنوات، أظهرت التجارب أن مشاركة العرب داخل “قسد” كانت رقمية أكثر منها سياسية، إذ بقي القرار العسكري والأمني بيد كوادر حزب العمال الكردستاني، فيما اكتفى الممثلون العرب بأدوار شكلية. وانكشفت هشاشة هذه الواجهة في سلسلة أحداث، أبرزها تهاوي البنية العربية في دير الزور عام 2023 بعد اعتقال أبو خولة، والانشقاق الكبير في منبج بقيادة الشيخ إبراهيم البناوي، إضافة إلى انشقاقات متكررة في الرقة والحسكة كلما احتدمت الأزمات أو تفاقمت التوترات بين العناصر العرب والأجهزة المرتبطة بقيادات قنديل.

 

هذا الواقع جعل الولاء العربي داخل “قسد” هشاً وقابلاً للتبدل مع أي تغيير في موازين القوى، سواء نتيجة عودة الدولة السورية، أو الضغط التركي، أو تراجع الدور الأميركي. وفي هذا السياق تحديداً، تكتسب زيارة الجربا أهمية مضاعفة، إذ إن قوات “الصناديد” حافظت على استقلالية نسبية عن الهيكل العسكري لـ”قسد” ولم تتورط في صداماتها الداخلية، ما يجعل حضور قائدها في دمشق مؤشراً على بداية إعادة تموضع عربي قد يعيد رسم الخريطة العسكرية والسياسية في شرق الفرات.

 

ظهور الجربا في دمشق يثير قلق قيادة حزب العمال داخل “قسد”، لكونه يفتح الباب أمام حراك عشائري أوسع باتجاه الدولة السورية، ويعيد تثبيت الدور الأبوي التقليدي لدمشق في المشهد العشائري. فمع تراجع صورة “قسد” ككيان متعدد المكونات، بدأت العشائر ترى أن العودة إلى مرجعية سياسية أكبر وأكثر رسوخاً بات خياراً واقعياً، خصوصاً بعد الانشقاقات التي شهدتها منبج ودير الزور والاحتجاجات الواسعة التي عبّرت عن رفض الهيمنة الكردية على القرار.

 

وبذلك، تبدو زيارة الجربا نقطة تحول يمكن أن تتراكم نتائجها سريعاً. وإذا تحركت عشائر عربية أخرى على المسار نفسه، قد تجد الإدارة الذاتية نفسها أمام لحظة حاسمة، إذ يصعب على مشروع يعتمد على واجهة عربية هشة أن يصمد في ظل تفككها، أو أن يواجه موجة انشقاقات أوسع إذا استمرت القيادة الكردية في إدارة المنطقة بمعزل عن محيطها الاجتماعي العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce