
قرار أممي مثير للجدل يمنح واشنطن وصاية على غزة ويعمّق الانقسام الفلسطيني
قرار أممي مثير للجدل يمنح واشنطن وصاية على غزة ويعمّق الانقسام الفلسطيني
بفارق 13 صوتاً وامتناع روسيا والصين عن التصويت، أقرّ مجلس الأمن قراراً يمنح الولايات المتحدة دوراً مركزياً في إدارة غزة، في خطوة اعتُبرت بمثابة وصاية دولية جديدة على القطاع الذي يعاني دماراً واسعاً. ويعد القرار، الذي ينظر إليه كثيرون كمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفوذاً بارزاً في الشرق الأوسط، بمثابة انتصار سياسي يستخدمه لتعزيز موقعه الداخلي، في ظل حديث عن إمكانية ترشيحه لجائزة نوبل للسلام على خلفية تثبيت وقف إطلاق النار.
ورغم ما يبدو أنه تأكيد لهيمنة واشنطن على القرار الدولي، إلا أن الخطوة تكشف أيضاً عن تصدعات في النفوذ الأميركي. كما يعيد القرار تكريس فصل غزة عن الضفة الغربية، بما يرسّخ واقع الانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات. ويزيد الغموض المحيط بدور السلطة الفلسطينية المستقبلية من المخاوف إزاء تسويف جديد يخدم الوقت الإسرائيلي التقليدي في المفاوضات. وعلى الأرض، تتوسع فعلياً خطة تقسيم غزة، وسط وجود مناطق تخضع لحماس وأخرى تحت السيطرة الإسرائيلية وفصائل متعاونة معها، ومع دخول قوات دولية وقوات شرطة محلية محتملة، تتجه الأمور نحو مزيد من التقسيم.
ولا يمنح القرار الفلسطينيين سوى إدارة تكنوقراطية محدودة الصلاحيات ومنزوعة السلاح. ويشير مراقبون إلى أن العودة إلى شكل جديد من الانتداب الدولي تمثّل خسارة كبيرة للفلسطينيين، رغم أنّها قد تساهم في خفض وتيرة القتل. إلا أن تدويل غزة يحمل أبعاداً أخرى، إذ أظهرت الحرب أن القطاع، الذي يضم أكثر من مليوني نسمة، عصيّ على السيطرة، وأن الإبادة لم تُسقط تمرده، بل أدت إلى موجة احتجاجات عالمية غير مسبوقة.
ويعكس القرار اعترافاً ضمنياً بعجز إسرائيل عن حسم المعركة أو ضبط القطاع، ما يفسر إسناد المهمة إلى قوات عربية وإسلامية، رغم اشتراط التنسيق مع إسرائيل ومصر. ومع أن القرار ينتزع جزءاً من السيطرة الإسرائيلية المطلقة على غزة، إلا أن حجم الخسائر الفلسطينية يبقى هائلاً، ومن المتوقع أن تستمر تداعياته لسنوات طويلة.
ورغم أن الإمبراطورية لا تقوم على القوة وحدها، بل تعتمد أيضاً على شبكة واسعة من الحلفاء، فإن تمرير القرار الأميركي جاء نتيجة إجماع عربي وإسلامي، بما في ذلك الجزائر، ما دفع روسيا والصين إلى الامتناع عن التصويت. ويمنح غموض بنود القرار جميع الأطراف مساحة واسعة للمناورة، بما يترك المجال مفتوحاً لإعادة صياغة تفاصيل التنفيذ وفق مصالح كل طرف. واعتبرت دول المنطقة أن وقف الإبادة هو الأولوية العاجلة، على أن يُبحث لاحقاً شكل الحل النهائي مع واشنطن.
وعقب صدور القرار، أعلنت حماس وعدة فصائل فلسطينية رفضها له، بينما أكد الموقف العربي أن مسألة نزع السلاح شأن فلسطيني داخلي. ولا توجد مؤشرات على استعداد أي دولة لإرسال قوات لفرض القرار بالقوة، ما يجعل كل الأطراف، بما فيها حماس، تراهن على عامل الوقت، لتتحول الخطوة الأممية إلى محطة جديدة في انتظار انفجار آخر للصراع.



