
لبنان بين العدوان والانقسام: مقاربة جديدة لأزمة المقاومة والدولة وسط تفكك الكيان
لبنان بين العدوان والانقسام: مقاربة جديدة لأزمة المقاومة والدولة وسط تفكك الكيان
يشهد لبنان في ظل العدوان المتواصل تحوّلاً واسعاً في الخطاب الداخلي، حيث تتكاثر المواقف والروايات التي تحاول تفسير الانهيار من زوايا متناقضة، فيما تغيب المقاربة الوطنية الجامعة. وبين من يتحدث عن “إعادة تموضع” وينفي الهزيمة، ومن يعتبر كل نقد تشكيكاً أو “عمالة”، يضيع النقاش الأساسي حول غياب مشروع وطني قادر على حماية اللبنانيين وصياغة رؤية واضحة للمواجهة.
تتبدى ملامح انقسام عميق بين من يتمسكون بالمقاومة بوصفها مشروعاً تحررياً شاملاً، وبين من تعامل معها سابقاً كمنصة نفوذ ومصالح قبل أن يتراجعوا عنها مع تغيّر موازين القوى. ويبرز في المقابل تيار يرفع شعار الحياد دون رؤية واضحة، أو خوفاً من كلفة الاصطفاف، فيما يذهب آخرون إلى تبنّي خطاب يروّج للنموذج الإسرائيلي باعتباره طريقاً للاستقرار والانفتاح، في تجاهل لواقع الاحتلال ومخاطره على لبنان.
ويشدّد الطرح على ضرورة التفريق بين “المشروع التحرري” الذي يستند إلى قيم العدالة والكرامة والانفتاح، وبين “المحور السياسي” الذي بني على الولاء ومراكز النفوذ. فالمشروع، بحسب القراءة المطروحة، يستمر لأنه غير مرتبط بتحالفات ظرفية، بينما سقط المحور لانغلاقه وعجزه عن التحول إلى مشروع وطني جامع.
في موازاة ذلك، يتعمّق الشعور بأن لبنان يعيش نموذجاً صارخاً لتفكك الكيانات العربية الهشة، في ظل عدوان إسرائيلي يستهدف الجنوب ويضرب أسس الدولة ومؤسساتها ويحوّل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. هذا الاستهداف يكشف ضعف القدرة على حماية المواطنين، ويعيد لبنان إلى موقع العجز عن إنتاج سردية وطنية موحّدة، فيما يعيش السكان وسط قصف وتهجير وإعدامات ميدانية تمس جوهر السيادة.
ويتناول الطرح جدلية “حصر السلاح”، معتبراً أن أي نقاش بشأن بناء الدولة يجب أن ينطلق من حماية المواطنين وتحديد استراتيجية وطنية شاملة، لا من مقاربة تجتزئ الأزمة في مسألة السلاح دون الاعتراف بواقع الاحتلال والتهديد المستمر للحدود والناس. ويرى أن المقاومة الحالية، على اختلاف مراحلها، كانت نتيجة غياب الدولة لا سبباً لانهيارها، وأن أي تطور مستقبلي للمقاومة سيتأثر مباشرة بحجم الظلم الواقع على الجنوب.
كما يسلّط النص الضوء على الخسائر الأخيرة ودلالاتها، مشيراً إلى أن الهزيمة لا تلغي شرعية المشروع التحرري، وأن المقاومة تتطلب مراجعة نقدية وتطويراً لأدواتها، بحيث تصبح متعددة الأبعاد: إعلامية، حقوقية، قانونية، ثقافية ورقمية، قادرة على فضح الاحتلال كمنظومة استعمارية تمارس الإبادة، لا مجرد قوة عسكرية.
ويشير إلى التحول التدريجي في الرأي العام الغربي، خاصة بين الشباب، تجاه القضية الفلسطينية، وهو تحول ما كان ليتحقق لولا تراكم الشهادات والصور والنضالات التي كسرت الصمت الدولي. هذا التحول الناشئ يُعد جزءاً من معركة الوعي العالمية المرتبطة بخطاب مقاومة جديد.
ويخلص الطرح إلى أن لبنان يحتاج إلى مشروع وطني متماسك يعيد الاعتبار للناس وحقوقهم، ويضع حماية حياتهم وكرامتهم في صلب النقاش حول السلاح والدولة. مشروع يبتعد عن الاصطفافات الضيقة والشعارات الجاهزة، وينشأ من تجارب اللبنانيين ومعاناتهم وإصرارهم على البقاء. فالمقاومة والدولة معاً يجب أن يُعاد تعريفهما انطلاقاً من مبادئ الحق والعدالة، وأن تكون الثقة الشعبية أساس أي رؤية مستقبلية.



