
استثمارات سعودية ضخمة تعيد رسم مشهد الاقتصاد الأميركي بقيمة تتجاوز 170 مليار دولار
استثمارات سعودية ضخمة تعيد رسم مشهد الاقتصاد الأميركي بقيمة تتجاوز 170 مليار دولار
تواصل الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة ترسيخ شراكة اقتصادية تُعد من الأوسع عالمياً، مع تجاوز استثمارات «صندوق الاستثمارات العامة» حاجز 170 مليار دولار، في مؤشر واضح على عمق الروابط بين الرياض وواشنطن، وتنامي تأثير الصندوق في الاقتصاد العالمي.
وتتزامن هذه التطورات مع زيارة مرتقبة لولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث يزداد التركيز على الدور المحوري للصندوق باعتباره إحدى الركائز الأساسية في التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة ضمن «رؤية 2030». ويتوقع أن تصل الأصول تحت إدارة الصندوق إلى تريليون دولار بنهاية العام، مع استمرار دوره في توفير عوائد مستدامة وقيادة التغيير الاقتصادي المحلي والعالمي.
وبحسب بيانات الصندوق، أسهم «السيادي» السعودي في إطلاق أكثر من 100 شركة جديدة وخلق ما يزيد على 1.1 مليون وظيفة داخل المملكة وخارجها خلال السنوات السبع الماضية. وفي هذا السياق، استقبل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت محافظ الصندوق ياسر الرميان لبحث آفاق تعزيز الاستثمارات السعودية في السوق الأميركية، مؤكداً في منشور على «إكس» أن زيادة هذه الاستثمارات تفتح المجال لنمو اقتصادي أقوى وعلاقات طويلة الأمد بين البلدين.
وتأتي هذه المستجدات رغم تقليص انكشاف الصندوق على الأسهم الأميركية خلال الربع الثالث من العام، بعد تخارجه من 9 شركات مدرجة، وفق بيانات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية.
ويرى تيم كالين، الزميل الزائر في «معهد دول الخليج العربية» بواشنطن، أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تتجه نحو نمو أقوى خلال السنوات الخمس المقبلة، مدفوعة بالتوافق في المصالح الاستراتيجية وتحسن بيئة الاستثمار في المملكة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة تسعى لزيادة صادراتها واستقطاب مزيد من الاستثمارات السعودية، بينما تعمل الرياض على توسيع فرص الوصول إلى التكنولوجيا والابتكار الأميركيين لدعم إصلاحاتها الاقتصادية.
وتُعد الولايات المتحدة الشريك الاستثماري الأكبر للصندوق خارج المملكة، إذ ضخ منذ عام 2017 أكثر من 170 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي، وأسهم في خلق أكثر من 172 ألف وظيفة في قطاعات متنوعة، من الطيران إلى التكنولوجيا. ومن أبرز هذه الاستثمارات، طلبية «طيران الرياض» لشراء 72 طائرة من «بوينغ»، إضافة إلى شراكات واسعة في مجال الحوسبة السحابية مع «أمازون ويب سيرفيسز» و«مايكروسوفت» و«أوراكل» و«غوغل كلاود».
كما يرتبط الصندوق بعلاقات مالية عميقة مع مؤسسات عالمية مثل «غولدمان ساكس» و«بروكفيلد» و«بلاك روك»، وقد أعلن عام 2024 عن شراكة بـ5 مليارات دولار مع الأخيرة لإطلاق شركة «بلاك روك الرياض لإدارة الاستثمارات»، بهدف جذب رؤوس أموال عالمية وإتاحة فرص جديدة للشركات الأميركية.
ويمتد تأثير «السيادي» السعودي إلى قطاعات الابتكار والرياضة والاستدامة؛ إذ يدعم بطولات التنس العالمية، ويقود استثمارات ضخمة في قطاع الألعاب الإلكترونية، من بينها صفقة بقيمة 55 مليار دولار للاستحواذ على «إلكترونيك آرتس»، إضافة إلى دوره في تطوير تقنيات النقل المستدام بالشراكة مع «فورمولا إي».
وفي مجال العلوم، يواصل الصندوق دعمه لبرامج ابتكار عالمية، منها مبادرة «درايفنغ فورس ستيم» التي تستقطب أكثر من 54 ألف طالب في الولايات المتحدة وخارجها لتعزيز مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
وخلال «منتدى الأعمال الأميركي» في ميامي، أكد فهد السيف، رئيس استراتيجية الاستثمار والتمويل العالمي في الصندوق، أن صناديق الثروة السيادية أصبحت جهات فاعلة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن «رؤية 2030» أعادت صياغة دور الصندوق ليقوده نحو بناء الاقتصاد الوطني وتعظيم الأصول وحفظ ثروة الأجيال.
وأوضح السيف أن الصندوق يختتم استراتيجيته الخمسية (2021 – 2025) استعداداً لمرحلة جديدة، بعد تركيزه على 13 قطاعاً جرى دمجها ضمن ست منظومات تشمل السياحة والتصنيع والطاقة المستدامة والبنية التحتية، إضافة إلى مشروع «نيوم» الذي يمثل محوراً لهذه التطورات. وأشار إلى أن الناتج المحلي غير النفطي ارتفع إلى 55%، بينما نما الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 37%، وبلغت الإيرادات غير النفطية 49.7% من إجمالي الإيرادات حتى الربع الثاني من العام.
وتبرز هذه المؤشرات، إلى جانب استثمارات تناهز 170 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، أن «صندوق الاستثمارات العامة» لم يعد مجرد مستثمر دولي، بل شريك استراتيجي يعيد تشكيل مسار العلاقات الاقتصادية العالمية.



