اقليمي

زيارة تاريخية: سوريا تعيد رسم موقعها الإقليمي والدولي

زيارة تاريخية: سوريا تعيد رسم موقعها الإقليمي والدولي

دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض في خطوة تاريخية غير مسبوقة منذ نحو ثمانية عقود، لتعلن دمشق عن بداية مرحلة جديدة في سياستها الإقليمية والدولية. الزيارة لم تقتصر على البروتوكول، بل حملت رسالة واضحة عن رغبة سوريا في إعادة تعريف موقعها بعيدًا عن إرث الحروب والتحالفات الثقيلة والانهيارات الداخلية.

 

منذ توليه السلطة في أواخر 2024، تحرك الشرع بخطى محسوبة لإعادة ربط سوريا بالمحيط الإقليمي والدولي، فتواصل مع تركيا والخليج ومصر، أعاد سوريا إلى الجامعة العربية، وفتح حوارًا تدريجيًا مع واشنطن وموسكو. رفع اسمه من لوائح العقوبات الدولية كان إشارة واضحة إلى استعداد القوى الكبرى لاختبار سوريا الجديدة.

 

وفي مقابلته مع “واشنطن بوست”، شدد الشرع على أن ماضيه كمقاتل لا ينفي دوره الحالي كرجل دولة، مؤكّدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب عقل الدولة لا عقل البندقية. ويرى أن تجربته الشخصية تمنحه القدرة على تحويل سوريا من ساحة نزاع إلى شريك استراتيجي في مكافحة الإرهاب.

 

وتطرّقت المحادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العقوبات التي أثقلت كاهل السوريين، حيث طالب الشرع برفعها مقابل شراكة اقتصادية حقيقية، ما يعكس تحولًا عن خطاب “اقتصاد المقاومة” التقليدي. وتؤكد تصريحات مبعوث ترامب، توماس باراك، أن هذه الزيارة تشكل تحولًا حاسمًا في تاريخ الشرق الأوسط، وأن سوريا أصبحت شريكًا محتملًا بدل أن تكون خصمًا.

 

وفي ملف العلاقة مع إسرائيل، شدد الشرع على أن المباحثات لا تعني سلامًا أو تطبيعًا، بل ترتيبات تمنع اندلاع حرب جديدة، مع الالتزام بحق الفلسطينيين وتسوية واضحة للجولان. وفي شرق سوريا، يبقى الوضع حساسًا بسبب تداخل المصالح الأميركية والتركية ومؤسسات الدولة السورية، حيث يسعى الشرع لاستعادة السيطرة دون إشعال صراعات جديدة.

 

على الصعيد الداخلي، يركز الشرع على المصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة، مع خطة لإجراء انتخابات عام 2026 تحت إشراف قضائي كامل، في خطوة نحو شرعية سياسية مختلفة. ويشكل الدعم السعودي رافعة أساسية لإعادة إعمار سوريا وتعزيز استقرارها الاقتصادي والسياسي.

 

في الوقت نفسه، يبقى لبنان خارج المسارات الجديدة، بينما يسعى رباعي إقليمي يشمل سوريا وتركيا والسعودية والولايات المتحدة لتشكيل توازنات إقليمية جديدة، تمنع انهيار سوريا وتعيد إدماجها في المعادلات الإقليمية. ومع ذلك، يظل قانون قيصر والعقبات الإسرائيلية وشرق سوريا تحديات كبرى أمام تثبيت هذا التحول.

 

زيارة الشرع إلى واشنطن تمثل بداية لإعادة كتابة موقع سوريا في المشرق، في لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط كأنه يعيد رسم خرائطه، ويمنح دمشق فرصة للتحول من دولة مأزومة إلى شريك فاعل في الحلول الإقليمية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce