اقليمي

كيف تُقيّد الضغوط الأميركية حركة التمويل في لبنان دون القدرة على وقفها بالكامل؟

كيف تُقيّد الضغوط الأميركية حركة التمويل في لبنان دون القدرة على وقفها بالكامل؟

تتعامل المؤسسات اللبنانية مع الضغوط الأميركية الساعية إلى الحد من قنوات تمويل “حزب الله” بواقعية شديدة، في ظل ارتباط هذا الملف بعلاقات لبنان مع النظام المالي العالمي والمصارف المراسلة. وقد اتخذت الدولة في الفترة الأخيرة سلسلة إجراءات توحي بتجاوبها مع مطالب وزارة الخزانة الأميركية، بعضها تجاوز ما يسمح به القانون اللبناني، كما حدث في ملفات مرتبطة بكتاب العدل. ومع ذلك، لا يمكن للبنان تجاهل قدرة واشنطن على استخدام أدوات ضغط مؤثرة، وهو ما يدركه المسؤولون المعنيون.

 

لكن الانخراط في هذه الضغوط لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الهدف المعلن: قطع التمويل عن الحزب. فالدولة اللبنانية لا تملك الأدوات التقنية والمالية الكفيلة بذلك، وإن توفرت فجأة، فهي غير قادرة على تحمل تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية. هذا الواقع يدركه جميع القائمين على الملف، بغضّ النظر عن مواقفهم من الحزب ودوره.

 

ويبرز هنا تحدي إعادة تصويب النقاش الداخلي، إذ تبالغ بعض القوى السياسية في تحميل الحكومة والرئاسة أكثر مما يمكن تنفيذه عمليًا، وتعامل شعار “قطع التمويل” كمسار تلقائي لحصر السلاح وتعزيز سيادة الدولة، وهو ما لا يستند إلى معطيات واقعية. وقد يكون هذا تحديدًا ما أشار إليه رئيس الجمهورية حين تحدث عن مسؤولين ينقلون صورة غير دقيقة إلى واشنطن.

 

وبحسب البنك الدولي، بلغ حجم الاقتصاد النقدي بالدولار خارج النظام المالي الشرعي نحو 10 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم يعكس اتساع التداول النقدي وصعوبة ضبطه في ظل الأزمة المصرفية التي دفعت اللبنانيين إلى الابتعاد عن المصارف. وحتى مقاصة “الدولارات الفريش” التي أطلقها مصرف لبنان لم تتمكن من استعادة الدور الطبيعي للقطاع المالي، إذ لم تتجاوز تداولاتها 648 مليون دولار حتى نهاية أيلول الماضي، ما يشكل نسبة ضئيلة مقارنة بحجم السوق النقدية.

 

وعلى الرغم من الإجراءات الأمنية في المرافئ والمعابر، يبقى ضبط الجانب المالي من التجارة الخارجية مهمة شبه مستحيلة في غياب قطاع مصرفي قادر على تمويل الواردات بشكل طبيعي. فالكثير من المستوردين يسددون أثمان بضائعهم من حسابات خارجية، بينما تُجرى عمليات البيع داخل لبنان نقدًا، ما يجعل تتبع حركة الأموال أمرًا بالغ الصعوبة.

 

وتعود جذور المشكلة إلى طبيعة النموذج المالي والاقتصادي اللبناني الذي نشأ منذ الاستقلال، والذي اتّسم بضعف الرقابة وتفلت البيانات المالية والضريبية. وحتى اليوم، لم تُطبق تعديلات جوهرية على هذا النموذج، رغم تعديل قانون السرية المصرفية عام 2022، والذي لا يزال خارج التنفيذ الفعلي.

 

وفي هذا السياق، تبدو مكافحة تبييض الأموال وضبط قنوات التمويل المرتبطة بالسوق المحلية والخارجية مهمة شبه مستحيلة دون إصلاح عميق وشامل يتجاوز الإجراءات الظرفية المرتبطة بزيارات المبعوثين الدوليين. فالإصلاح يتطلب مسارًا تشريعيًا وتنفيذيًا واسعًا لم يبدأ بعد.

 

أما قرار مصرف لبنان بمراقبة عمليات الصرف والتحويل التي تتجاوز قيمتها ألف دولار، فيصطدم بواقع السوق الموازية التي تديرها شبكات واسعة من الصرافين غير الشرعيين، وبالتداخل القائم بينهم وبين الصرافين المرخصين. وتبقى فعالية القرار مرتبطة بآلية تنفيذه، وما إذا كانت الرقابة ستبقى شكلية أم ستؤدي إلى عودة سعرَي صرف متوازيين، كما حدث سابقًا في العراق.

 

وعند الحديث عن “تمويل حزب الله”، يجب الإشارة إلى أن رواتب المقاتلين ليست سوى جزء من موازنة الحزب، التي تشمل أيضًا تعويضات الجرحى وعائلات الشهداء، والمؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية. كما أن مؤسسة “القرض الحسن” تضم نحو 407 آلاف مساهم، إضافة إلى القروض المضمونة بالذهب. وحتى لو امتلكت الدولة القدرة على إقفال هذه المؤسسات، فإنها لن تتحمل بسهولة الانعكاسات الاجتماعية والأمنية لهذا القرار.

 

تأتي الضغوط الأميركية في سياق سياسة “الضغط الأقصى” على إيران وامتداداتها في المنطقة. ورغم أنها قد تؤدي إلى تضييق هامشي على نشاط الحزب، إلا أن تحقيق الهدف النهائي، أي قطع التمويل بالكامل، يبقى شبه مستحيل في الظروف الحالية. أما التماهي مع هذا الهدف داخليًا، فقد يضع بعض القوى السياسية في مسار غير واقعي ويغذي مزايدات لا تساعد الدولة اللبنانية على إدارة المرحلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce