
رؤية أميركية لإعادة تشكيل الحكومة السورية: بين مقاربة الاستقرار وتوازنات المرحلة
رؤية أميركية لإعادة تشكيل الحكومة السورية: بين مقاربة الاستقرار وتوازنات المرحلة
أعاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو طرح ملف الحكومة السورية إلى الواجهة بتصريحات لافتة شددت على ضرورة منح الحكومة الحالية “فرصة للنجاح” تجنباً لانزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة. وفي حديثه عقب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، أوضح روبيو أن واشنطن تريد حكومة تمثل جميع مكونات المجتمع السوري وتضمن شعور المواطنين بالأمان، وألا تُستخدم الأراضي السورية منصة لتهديد دول الجوار.
وتشير لغة روبيو إلى مقاربة انتقالية لا تتحدث عن تغيير جذري بقدر ما تلمّح إلى إعادة ضبط شكل الحكومة ووظيفتها بما يحافظ على الاستقرار الداخلي ويمنع انهيار المنظومة القائمة. وبحسب مراقبين، فإن الولايات المتحدة لا تسعى لفرض أسماء أو صياغة حكومة بديلة بالكامل، لكنها ترسم معايير سياسية تُبنى عليها أي حكومة ترغب بالحصول على اعتراف دولي ودعم سياسي.
ويبرز في التصريحات التأكيد على “تمثيل كل عناصر المجتمع السوري”، وهو طرح يبدو جذاباً نظرياً لكنه يفتح أسئلة حول معايير هذا التمثيل وحدوده، وسط قناعة أميركية بأن تهميش أي فئة سيُضعف شرعية الحكومة الجديدة داخلياً وخارجياً. ويرى محللون أن هذا الخطاب لا يعكس تدخلاً قسرياً بقدر ما يشير إلى شروط داعمة تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة دون المساس بالبنية الصلبة للسلطة.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث مجيب خطاب أن واشنطن تميل إلى مقاربة “التعديل الموسع” بدلاً من “التغيير الكامل”، حرصاً على تجنب سيناريو التفكك الأمني. واعتبر أن ما تسعى إليه الإدارة الأميركية هو دعم حكومة أكثر تمثيلاً، من دون إعادة توزيع فعلية للسلطة، وذلك حفاظاً على صورة تقدمية للبلاد أمام المجتمع الدولي.
من جهته، رأى الباحث السياسي عبد الرحمن الحاج أن تصريحات روبيو تعكس رؤية الرئيس أحمد الشرع بقدر ما تعكس الموقف الأميركي، مشيراً إلى أن تشكيل الحكومة الحالية تأثر بالوضع غير المستقر شمال شرقي البلاد، حيث تسيطر قوات سوريا الديموقراطية على مساحات واسعة. وأكد أن أي تسوية مستقبلية مع “قسد” ستستدعي تعديلات حكومية إضافية، بما يتوافق مع القرار الأممي 2245.
وربط الحاج بين الاهتمام الأميركي بالملف السوري ورغبتها في تحويل سوريا إلى شريك مستقر ضمن المعسكر الغربي، بالتوازي مع سعي السوريين أنفسهم إلى إعادة بناء علاقاتهم الدولية بعيداً عن مرحلة “محور المقاومة”. وأشار إلى أن السوريين يرون في التحالف الغربي فرصة للعودة إلى مسار طبيعي من التنمية والاستقرار.
أما الدكتورة عزة عبد الحق من التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، فاعتبرت أن نجاح الحكومة في واشنطن يتطلب استكمال خطوات داخلية تعزز التمثيل السياسي وتحمي الاستقرار. وأوضحت أن الرؤية الأميركية لسوريا كدولة آمنة، مستقرة، وقادرة على لعب دور اقتصادي وتجاري إقليمي، تتقاطع مع تطلعات السوريين بعد سنوات طويلة من الثورة والمعاناة.
وتؤكد عبد الحق أن إشراك جميع مكونات المجتمع—بما في ذلك المرأة—ضروري لبناء نظام ديموقراطي يعكس تنوع البلاد ويحمي وحدتها. واستشهدت بتصريح المبعوث الأميركي توم باراك الذي وصف سوريا بأنها “فسيفساء من شعوب وأديان تبحث عن سلام واحد”، في إشارة إلى ضرورة مراعاة هذه التركيبة الدقيقة في أي مسار حكومي مقبل.
ورغم عدم وجود مؤشرات مؤكدة على تعديل حكومي قريب، يشير محللون إلى أن حكومة الشرع أبدت رغبة في التوسّع بالتمثيل منذ تشكيلها الأولي في آذار/مارس الماضي، رغم محدودية المرحلة الانتقالية. ويرون أن استقرار البلاد ووحدة أراضيها والابتعاد عن سياسات الماضي تشكل ركائز أساسية للمرحلة الحالية.
ويلتقي الطرفان، الأميركي والسوري، وفق مراقبين، عند ما يسمى بـ”مقاربة الضرورة”، حيث تسعى واشنطن لضمان استقرار إقليمي يحد من النفوذ الإيراني ويمنع عودة الفوضى، فيما تعمل الحكومة السورية على تعزيز شرعيتها دولياً وتخفيف عزلتها الاقتصادية. وعلى الرغم من التناقضات، تبدو المصالح المشتركة واضحة: الحفاظ على الوضع القائم مع إدخال تحسينات تدريجية دون قلب المعادلة بالكامل.


