
العملات المشفرة في عين العاصفة: هل يشهد السوق بداية انهيار طويل الأمد؟
العملات المشفرة في عين العاصفة: هل يشهد السوق بداية انهيار طويل الأمد؟
تشهد سوق العملات المشفرة مجددًا موجة تراجع حاد تثير مخاوف من دخولها مرحلة ركود طويلة، بعد الانهيار الكبير الذي ضربها في تشرين الأول الماضي. فقد انخفضت قيمة بيتكوين إلى نحو 99 ألف دولار، وسط ضغط بيعي متزايد وفقدان واضح لثقة المستثمرين، في وقتٍ تتراجع فيه السيولة داخل السوق بوتيرة مستمرة منذ الانهيار الأول.
وكانت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة قد بلغت رقمًا قياسيًا قبل أيام من انهيار تشرين الأول، إذ وصلت إلى 4.4 تريليون دولار، بزيادة تريليون دولار خلال عشرة أشهر فقط، فيما لامس سعر بيتكوين آنذاك 126 ألف دولار، وسجلت العملات البديلة ارتفاعات غير مسبوقة. غير أن الانهيار المفاجئ تسبب بخسائر تقارب 1.3 تريليون دولار من القيمة الإجمالية للسوق.
أما الانخفاض الحالي، فيختلف عن سابقه لعدم وجود تضخم في الأسعار أو نشاط مفرط في السوق قبله، بل جاء في ظل انكماش حاد وتراجع في مستويات السيولة، ما يعزز فرضية الركود المزمن. ويرى خبراء أن استمرار هذا التراجع قد يفتح الباب أمام مزيد من الانخفاضات، رغم بعض التوقعات الإيجابية التي تراهن على تعافٍ تدريجي في عام 2026.
وفي مفارقة لافتة، شهد سعر الذهب ارتفاعًا قياسيًا خلال انهيار تشرين الأول، حيث بلغ 4379 دولارًا للأونصة، مدفوعًا ببحث المستثمرين عن ملاذات آمنة وزيادة طلب البنوك المركزية عليه، إلى جانب توقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية. لكن مع تراجع العملات المشفرة مجددًا في تشرين الثاني، انخفض الذهب إلى نحو 3979 دولارًا للأونصة، ما يعكس توجه المستثمرين نحو السيولة النقدية لتغطية خسائرهم، خاصةً مع تراجع احتمالات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفدرالي.
وكانت بيتكوين قد فقدت قيمتها تدريجيًا منذ العاشر من تشرين الأول، إذ هبطت من 126 ألف دولار إلى نحو 110 آلاف، قبل أن تشهد تعافيًا مؤقتًا إلى 115 ألفًا، ثم تعود لتنخفض مجددًا إلى ما دون 100 ألف دولار مطلع تشرين الثاني، لتستقر اليوم عند 99 ألف دولار.
ويرجّح مدير الاستثمار في شركة BitwiseInvest، مات هوغان، أن يواصل السعر تراجعه إلى ما دون 100 ألف دولار، مشيرًا إلى أن الإغلاق الحكومي الأميركي وتأخر إقرار قانون “كلاريتي” لتنظيم الأصول الرقمية زادا من الضغط على السوق، لكنه يرى أن هذا الانخفاض مؤقت وسيتبعه تعافٍ طويل الأمد. أما تشارلز إدواردز، مؤسس Capriole Investments، فعبّر عن تشاؤمه بسبب انخفاض مشتريات المؤسسات إلى ما دون حجم المعروض اليومي لأول مرة منذ سبعة أشهر، معتبرًا أن السوق بات يفتقر إلى المستثمرين الكبار والمشغلين الماليين المستقرين.
وكان الانهيار الأول في تشرين الأول قد أسفر عن تصفية مراكز مالية بقيمة 19 مليار دولار في أقل من 24 ساعة، وهي الأكبر في تاريخ السوق، عقب تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الواردات الصينية قبل أن يتراجع عنها، في خطوة وُصفت بأنها تلاعب سياسي بالأسواق المالية.
ومع بداية تشرين الثاني، جاءت الأزمة الجديدة مدفوعة بعوامل نقدية، أبرزها تصريحات رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، جيروم باول، الذي استبعد خفضًا إضافيًا لأسعار الفائدة خلال العام الجاري بعد تقليصها ربع نقطة مئوية. هذا الموقف أدى إلى خروج جماعي للمستثمرين من الأصول عالية المخاطر، على رأسها العملات المشفرة، وتراجع العقود الآجلة للأسهم الأميركية، وسط تحذيرات من أن تضخم الديون العالمية قد يقود إلى أزمة مالية شاملة.
وبينما يحاول السوق استعادة توازنه بعد أسابيع من التقلبات، يزداد القلق من أن ما يحدث ليس مجرد تصحيحٍ عابر، بل بداية دورة انكماش قد تمتد لسنوات، في ظل ترقب حذر لسياسات الفدرالي الأميركي وتوجهات الاقتصاد العالمي.



