أمن و قضاء

مذكرات الملاحقة الأمنية في سوريا تهدد العدالة الانتقالية

مذكرات الملاحقة الأمنية في سوريا تهدد العدالة الانتقالية

لا يزال ملف مذكرات الملاحقة الأمنية يُثقل المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدًا في مرحلة ما بعد الاستبداد، لما يحمله من أبعاد قانونية وحقوقية تهدد مسار العدالة الانتقالية برمّته. فعلى الرغم من الوعود الحكومية بالإصلاح، بقيت أدوات القمع القديمة حاضرة، وفي مقدمتها المذكرات الأمنية التي أصدرتها أجهزة النظام السابق ضد مئات الآلاف من السوريين، معظمها لأسباب سياسية لا تمت إلى القانون بصلة.

 

صدرت تلك المذكرات استنادًا إلى تقارير أمنية غير موثقة أو اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، لتتحول إلى أداة للترهيب والإقصاء. ومع انهيار النظام الذي أوجدها، يُفترض أن تزول مشروعية هذه المذكرات تلقائيًا، إذ إن القرارات الإدارية والقضائية تستمد قوتها من شرعية السلطة التي أصدرتها، وتفقد صلاحيتها بزوال تلك الشرعية.

 

لكن الواقع يكشف خلاف ذلك. إذ أفادت تقارير بعودة عدد من المواطنين إلى سوريا بعد وعود رسمية بإلغاء مذكرات توقيفهم، ليُفاجأوا بأن أسماءهم لا تزال على قوائم الملاحقة، وأن الأجهزة الأمنية تتعامل معهم كما لو أن النظام القديم ما زال قائماً. بعضهم طُلب منه مراجعة فروع الأمن، وآخرون مُنعوا من السفر أو من الحصول على وثائق رسمية إلا بعد المرور عبر إجراءات أمنية مرهقة، ما يؤكد أن المذكرات لم تُلغَ فعليًا.

 

ويزداد التناقض وضوحًا حين نرى أن الدولة الجديدة تتساهل مع مرتكبي الجرائم الجنائية، إذ أُطلق سراح آلاف الموقوفين الجنائيين عقب انهيار النظام، وبعضهم تولّى مناصب داخل مؤسسات الدولة، كما حدث في حالة المحامي محمد العيسى الذي خرج من سجن عدرا ليُعيّن حارسًا قضائيًا لإحدى الشركات قبل أن يُعاد توقيفه لاحقًا.

 

في المقابل، لا يزال المعارضون السياسيون يواجهون عراقيل أمنية وقانونية، رغم الوعود المتكررة بإلغاء المذكرات. بعض الموظفين القدامى، وخصوصًا في وزارة العدل، يواصلون تطبيق تعليمات النظام السابق بدل الالتزام بالإعلان الدستوري الجديد، ما يُبقي إجراءات المنع والتوقيف قائمة، ويعرقل عودة آلاف السوريين إلى حياتهم الطبيعية.

 

من منظور قانوني، تُعد هذه المذكرات خرقًا صريحًا لمبدأ المشروعية، إذ تصدر دون رقابة قضائية أو ضمانات قانونية، ما يجعلها فاقدة لأي قيمة قانونية بعد سقوط النظام الذي أوجدها. كما يُعتبر استمرار العمل بها مخالفة مباشرة للمادة 48 من الإعلان الدستوري، التي تنص على إلغاء القوانين والإجراءات الاستثنائية الصادرة في عهد النظام السابق كشرط لتحقيق العدالة الانتقالية.

 

إن تجاهل هذا الملف لا يُعدّ إخفاقًا إداريًا فحسب، بل انتهاكًا لالتزامات الدولة الدولية، وخطرًا يهدد شرعيتها في الداخل والخارج. فالإبقاء على أدوات القمع القديمة يعني عمليًا استمرار بنية الاستبداد بوجوه جديدة. والعدالة الانتقالية لا تكتمل إلا بإلغاء هذه المذكرات، وتعويض المتضررين، ومحاسبة المسؤولين عن استمرارها.

 

وعليه، فإن إبطال هذه المذكرات ليس خيارًا سياسيًا بل واجب قانوني وأخلاقي يفرضه التحول نحو نظام ديمقراطي قائم على سيادة القانون. ويتطلب ذلك خطوات عملية عاجلة، تشمل الإلغاء الفوري لجميع المذكرات الصادرة من دون محاكمة عادلة، وتشكيل لجنة قضائية مستقلة تضم قضاة نزيهين وخبراء حقوقيين وممثلين عن المجتمع المدني، لضمان حق العودة والتنقل للمعارضين من دون عراقيل أمنية، تمهيدًا لبناء دولة قانون تحمي مواطنيها من تغوّل الأجهزة لا العكس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce