
لبنان على مشارف إنهاء «عصر الكبتاغون»… الأمن يطارد الرؤوس والتنمية تُكمل المعركة
لبنان على مشارف إنهاء «عصر الكبتاغون»… الأمن يطارد الرؤوس والتنمية تُكمل المعركة
يسود الأوساط الأمنية في لبنان تفاؤل متزايد بإمكانية أن يشهد عام 2026 نهاية ما يُعرف بـ«عالم المخدرات»، الذي نشأ خلال سنوات الحرب الأهلية وتغذّى من الفوضى الإقليمية، ليصبح واحداً من أبرز مصادر التهريب في المنطقة. فبعد عقود من تحوّل الحدود اللبنانية – السورية ممراً لتجارة الكبتاغون التي عبرت إلى الخليج، يبدو أن مرحلة جديدة بدأت تتبلور مع التغيرات الأمنية والسياسية في المنطقة، خصوصاً بعد رحيل «الفرقة الرابعة» السورية عن الحدود وطرد التجار من «المنطقة الرمادية» التي شكلت ملاذهم الآمن لسنوات.
مصادر أمنية لبنانية تؤكد أن نهاية الحرب السورية كانت نقطة التحول في مكافحة المخدرات، بعدما أغلقت المعابر غير الشرعية وشُددت المراقبة على خطوط التهريب. وبات الجيش اللبناني واستخباراته في موقع الهجوم، يلاحقون كبار التجار الذين لجأوا إلى الداخل اللبناني، بعد أن فقدوا حماية شركائهم داخل الأراضي السورية.
لكن المواجهة، وفق الأجهزة الأمنية، لا يمكن أن تُحسم بالقوة وحدها. فـ«دفعة من التنمية» في مناطق البقاع وعكار تُعد ضرورة لتثبيت نتائج الضغط الأمني، وقطع الذريعة التي طالما استخدمها التجار لتبرير نشاطهم في بيئات مهمشة. إذ ساهم الفقر والحرمان في تحويل بعض التجار إلى ما يشبه «روبن هود» بالنسبة للأهالي، يقدمون المساعدات ويمولون التعليم، مقابل ولاءات تُبقي تجارتهم قائمة.
منذ بداية الأزمة السورية، تضاعفت تجارة الكبتاغون بشكل غير مسبوق، فتحولت من صناعة محدودة إلى منظومة اقتصادية متكاملة تمول جماعات وميليشيات. ومع انهيار الدولة اللبنانية بعد عام 2019، عاد نفوذ التجار للتمدد، مدفوعاً بالانهيار المالي والسياسي. في تلك المرحلة، اكتسب كبار المهربين نفوذاً اجتماعياً وسياسياً، حتى أن بعضهم ترشح للانتخابات، وقدم نفسه على أنه منقذ للمنطقة عبر مشاريع ومساعدات، فيما كان يستخدم ثرواته غير المشروعة لتوسيع نفوذه.
الكبتاغون، بوصفه مخدراً صناعياً لا يحتاج إلى زراعة أو موسم حصاد، سهّل على صانعيه الإفلات من الرقابة، لكن صعوبة إخفاء معامل التصنيع دفعتهم إلى التعاون مع نافذين وأصحاب أملاك نائية مقابل مبالغ طائلة. واستغل المصنعون «المنطقة الرمادية» في سوريا ولبنان، حيث لم يكن الكبتاغون مصنفاً كمخدر لفترة طويلة، فاستمر الإنتاج والتوزيع بحرية شبه تامة.
ومع اندلاع الحرب السورية، تمددت الصناعة عبر الحدود، وتحالف التجار مع أطراف عدة، بينها قوى محلية وتنظيمات متطرفة، وحتى جهات رسمية سورية وروسية سهّلت عمليات التهريب مقابل رسوم مالية. ووصلت تجارة الكبتاغون إلى ذروتها بين عامي 2012 و2023، حين احتكر عدد محدود من التجار خطوط التهريب إلى الخليج، وابتكروا علامات تجارية و«خلطات» خاصة لضمان رواج بضاعتهم.
لكنّ المعادلة تغيّرت تدريجياً مع استقرار الأوضاع الأمنية، إذ أعلن لبنان «الحرب على المخدرات». تولى الجيش اللبناني تنفيذ عمليات دقيقة في البقاع والحدود، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي في المرافئ والمناطق الداخلية. ومع تصاعد المواجهات، تحولت المعركة إلى «حرب رؤوس»، استهدفت أبرز قادة العصابات، أبرزهم «أبو سلة»، الذي كان يُعدّ أحد أكبر تجار الكبتاغون في لبنان. وبعد مطاردات معقدة وغارات جوية دقيقة، تمكن الجيش من تصفيته في عملية نوعية شكلت ضربة قاصمة للشبكات الكبرى.
وبينما تستمر الأجهزة في ملاحقة ما تبقى من الشبكات، تبرز القناعة بأن القضاء الكامل على تجارة المخدرات لا يتحقق إلا بدمج الأمن بالتنمية، عبر مشاريع اقتصادية واجتماعية تعيد تأهيل المناطق المهمشة، وتحولها من حاضنة للتهريب إلى نموذج للانتعاش. بذلك، يبدو لبنان على أعتاب طيّ صفحة طويلة من الفوضى، وبدء مرحلة قد تُعلن فعلاً «نهاية عصر الكبتاغون».



