خاص infinty

من وصاية اللوبي إلى وصاية البيت الأبيض: إسرائيل تفقد قرارها السيادي

من وصاية اللوبي إلى وصاية البيت الأبيض: إسرائيل تفقد قرارها السيادي

 

بقلم وفاء فواز – رئيسة التحرير / Infinity News

 

زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى إسرائيل هذا الأسبوع لم تكن بروتوكولاً عابراً، بل علامة على تحوّل عميق في العلاقة بين الطرفين. فالمشهد الذي يظهر ابتسامات وتصريحات مجاملة يخفي واقعاً جديداً: القرار الإسرائيلي لم يعد يُصنع في تل أبيب، بل في واشنطن، حيث يُطبخ ويُقدَّم جاهزاً للحكومة الإسرائيلية مرفقاً بتعليمات التنفيذ.

 

منذ السابع من أكتوبر، باتت الولايات المتحدة تتصرف كأنها شريكة في الحكم داخل إسرائيل لا مجرد حليفة لها. في الحرب على غزة، جلس مسؤولون أميركيون في اجتماعات “الكابينت” الأمني، واطلعوا على الخطط الميدانية وتدخلوا في القرارات الكبرى. كان ذلك في عهد بايدن تحت شعار “التنسيق الأمني”، أما اليوم، في عهد ترامب، فقد أصبح التدخّل مباشراً وصريحاً بلا مواربة. فالرئيس الأميركي يتعامل مع إسرائيل كمقاولٍ محلي ينفّذ مشروعاً بتصميم أميركي، من تبادل الأسرى إلى خرائط الانسحاب ومفاوضات شرم الشيخ، وكل تأخير في التنفيذ يُعامل كإخلال بعقد.

 

لم تفقد إسرائيل إرادتها بالكامل، لكنها خسرت احتكارها لقرارها السيادي. للمرة الأولى تُبنى السياسات الإسرائيلية ضمن سقف المصالح الأميركية لا تحت شعار “أمن إسرائيل أولاً”. ترامب، بعقلية التاجر، يدرك أن الأسواق والمصالح الكبرى في الخليج والمنطقة العربية لا في تل أبيب، لذلك يعيد ترتيب الأوراق: إسرائيل لم تعد المركز بل عقدة مكلفة في شبكة المصالح الأميركية. أما اللوبي الصهيوني، الذي كان يوصف بأنه القوة الحاكمة في واشنطن، فقد بدأ نفوذه يتراجع تحت ضغط الرأي العام الأميركي، خصوصاً بين الأجيال الشابة التي باتت ترى في إسرائيل عبئاً أخلاقياً وسياسياً. وهذا ما يمنح واشنطن مساحة أوسع لفرض وصايتها دون خشية من الغضب الداخلي، في تحولٍ مقلق لإسرائيل التي تدرك أن الجيل الذي ينتقدها اليوم سيحكم أميركا غداً.

 

لطالما وُصفت إسرائيل بأنها “النجمة الـ51” في العلم الأميركي، أو “حاملة الطائرات الدائمة” في الشرق الأوسط، لكنها اليوم تفقد بريقها شيئاً فشيئاً. لم تعد تقود من الميدان بل تنتظر الإشارة من واشنطن: متى تبدأ الحرب، ومتى تتوقف، ومن يُدرج في قائمة الأسرى. حتى قراراتها الداخلية باتت تمر عبر غربلة أميركية دقيقة. هذا الواقع لا يلغي التحالف البنيوي بين الطرفين، لكنه يكشف تحوّلاً واضحاً من التأثير الإسرائيلي على القرار الأميركي إلى التبعية العكسية.

 

واشنطن بدورها أصبحت أكثر براغماتية من أي وقت مضى. لم تعد تهتم بهوية إسرائيل بقدر ما تهتم بدورها الوظيفي في خدمة المصلحة الأميركية. ترامب لا يؤمن بالتحالفات التاريخية بل بالصفقات الجارية، لذلك يعيد تعريف إسرائيل: ليست الشريك الأوحد بل الشريك المشروط.

 

ربما يكون هذا التحوّل مؤقتاً، لكنه يشكل سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين. فواشنطن لم تعد تملي الخطوط العامة فقط، بل ترسم التفاصيل وتراقب التنفيذ. من غزة إلى الكنيست، ومن قرارات الحرب إلى مفاوضات وقفها، أصبحت الولايات المتحدة شريكة في حكم إسرائيل لا مجرد داعمة لها. وهكذا، تبدو “النجمة الحادية والخمسون” وقد فقدت بريقها، وصارت تدور في مدار أميركي واحد عنوانه الدائم: أميركا أولاً، ولو كان الثمن تراجع الأسطورة الإسرائيلية عن عرش القرار الذي لطالما تباهت به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce