أخبار دولية

العراق على مفترق ما بعد المحور الإيراني: انتخابات تعيد خلط أوراق الداخل وتوازنات الإقليم

العراق على مفترق ما بعد المحور الإيراني: انتخابات تعيد خلط أوراق الداخل وتوازنات الإقليم

يتجه العراق في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل إلى انتخاباتٍ برلمانيةٍ تبدو في ظاهرها استحقاقًا داخليًا، لكنها في الواقع اختبارٌ حاسم لتوازن القوى في منطقةٍ تشهد تحولاتٍ متسارعة، بعد اهتزاز النفوذ الإيراني في المشرق العربي وتراجع محور طهران في لبنان وسوريا وغزة. فالانتخابات المقبلة ليست مجرد منافسةٍ انتخابية بين لوائح وأحزاب، بل مقياسٌ دقيق لقدرة النظام السياسي العراقي على إنتاج استقرارٍ داخلي في ظل تبدّل المعادلات الإقليمية.

 

تأتي هذه الانتخابات في مناخٍ إقليميٍ متقلّب أعقب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي شارك فيه أكثر من عشرين مسؤولًا دوليًا، بينهم رئيس الوزراء العراقي ورئيس “تحالف الإعمار والتنمية”، ما أثار انتقاداتٍ حادة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي عبّر عبر منصة “إكس” عن رفضه لأي مسارٍ سياسيٍّ يفضي إلى تقاربٍ مع إسرائيل أو القبول بالمشروع الأميركي في الشرق الأوسط. وقد تزامن ذلك مع لقاءٍ لافت بين الصدر والمرجع الأعلى علي السيستاني في النجف، تسرّبت معلومات عن أنه تناول نية التيار الصدري تنظيم تظاهراتٍ واسعة احتجاجًا على مسار الانتخابات، في خطوةٍ قرأها المراقبون على أنها محاولةٌ لإعادة تنشيط الحراك الشعبي الصدري القديم.

 

يبلغ عدد سكان العراق نحو 46 مليون نسمة، يحقّ لـ30 مليونًا منهم الاقتراع، غير أن إلزامية البطاقة البيومترية خفّضت عدد المؤهلين للتصويت إلى نحو 21 مليونًا فقط. ويخوض نحو 7,768 مرشحًا المنافسة على 329 مقعدًا وفق نظام “سانت لاغو” النسبي المعدل، الذي أعاد العراق إلى صيغة التمثيل على مستوى المحافظات بعد إلغاء نظام الدوائر المتعددة المعتمد في انتخابات 2021. ويمنح هذا النظام الأفضلية للأحزاب الكبرى كـ«الإطار التنسيقي» والقوى الكردية التقليدية على حساب المستقلين والحركات الجديدة، ما يثير انتقاداتٍ واسعة بأن القانون الجديد يعيد إنتاج النخب القديمة ويقوّض فرص القوى الشابة في التمثيل.

 

في الساحة الشيعية، يبرز انقسام داخل «الإطار التنسيقي» بين جناحٍ تقليدي محافظ على علاقاته الوثيقة بطهران بقيادة نوري المالكي وعمار الحكيم وفصائل «الحشد الشعبي»، وجناحٍ آخر أكثر براغماتية يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي يسعى إلى تحقيق توازنٍ بين النفوذ الإيراني والانفتاح على المجتمع الدولي. أما التيار الصدري فيتحرك خارج المنظومة كقوة احتجاجٍ شعبية، مستعيدًا حضوره في الشارع في مواجهة خصومه داخل البيت الشيعي، فيما يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة هذه القوى على إدارة الدولة من دون غطاءٍ شعبي شيعي واسع.

 

وفي المقابل، تنشغل القوى السنية والكردية بصراعاتها الداخلية. ففي المحافظات السنية، خصوصًا الأنبار، يتصدر المشهد محمد الحلبوسي وخميس الخنجر بثنائيةٍ متقلّبة التحالفات، إلى جانب مثنّى السامرائي كقوةٍ ثالثة محدودة التأثير. أما في الإقليم الكردي، فيتجدد الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني، ما يعكس انقسامًا حادًا في تمثيل الإقليم وعلاقته مع بغداد.

 

إقليميًا، لا تزال إيران اللاعب الأكثر تأثيرًا في المشهد العراقي رغم انحسار حضورها المباشر في ملفاتٍ أخرى. فقد أعادت طهران تموضع نفوذها عبر أدواتٍ سياسيةٍ أكثر مرونة داخل “الإطار التنسيقي”، في وقتٍ تسعى فيه إلى الحفاظ على وحدته في مواجهة تصاعد نفوذ السوداني. أما تركيا فتركّز على المناطق السنية والشمالية من خلال الاستثمار والعلاقات العشائرية، في حين تعتمد دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر، على دبلوماسيةٍ هادئة تميل إلى التنمية والإعلام بدل المواجهة السياسية المباشرة.

 

تشير المعطيات إلى أن التحالفات المقبلة ستُبنى على أسسٍ طائفيةٍ تقليدية أكثر منها إصلاحية، وأن التعديلات على القانون الانتخابي عززت حظوظ الكتل الكبرى على حساب القوى المدنية والمستقلة، ما يُنذر بتراجع نسب المشاركة الشعبية. فالثقة المهزوزة بين الناخبين والنخبة السياسية، وتكرار الوجوه والبرامج ذاتها، جعلت الحماسة للانتخابات محدودةً، لتتحول العملية الانتخابية إلى مناسبة لإعادة التموضع أكثر منها فرصةً لتغييرٍ جذري.

 

وفي انتظار نتائج الانتخابات العراقية، تتجه الأنظار إلى لبنان الذي يستعد بدوره لاستحقاقٍ نيابي جديد، وسط تشابهٍ متزايدٍ بين التجربتين من حيث التراجع النسبي لقوى التغيير وصعود القوى التقليدية من جديد، في مشهدٍ يعكس ثقل التحولات الإقليمية على المسارات السياسية الداخلية في البلدين.

 

 

تابعونا على واتسب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce