اقلام حرة

الع/دوان الإس.رائيلي على إعمار الجنوب اللبناني : حرب على الحياة وتهديد لمعادلة الصمود

الع/دوان الإس.رائيلي على إعمار الجنوب اللبناني : حرب على الحياة وتهديد لمعادلة الصمود

كتب د.غازي قانصو في “اللواء” :

في تصعيد بالغ الخطورة والدلالة، شن كيان العدو الإسرائيلي عدوانا مباشرا على إعادة الإعمار في الجنوب اللبناني، حيث قام بتدمير أكثر من ثلاثمئة آلية ضخمة في قصف طال الجرافات المدنية ومعدات البناء العاملة في فجر هذا النهار.
لم يكن الاستهداف عشوائيا ولا عابرا؛ بل كان رسالة عسكرية ـ سياسية مزدوجة، مفادها أن الجنوب لا يسمح له بالشفاء من جراحه، ولا يراد له أن ينهض من ركامه.

في لحظة بدا فيها أن الأمل يعود إلى القرى المحروقة على مهل، عادت الطائرات الإسرائيلية لتقول: لن نسمح للحياة أن تزهر في الجنوب.

اعترف جيش الاحتلال صراحة بأن طائراته قصفت جرافات وشاحنات مدنية كانت تعمل على إعادة بناء البنى التحتية المدمرة. الآليات كانت مكشوفة للعيان، لا تحمل أسلحة وذخائر، ومع ذلك صبت عليها الصواريخ بلا رحمة. المشهد كان مأساويا: نيران تتصاعد، آلات تنهار بالتدمير، طرقات تقطع، ومنطقة مدنية تتهاوى تحت قصف حارق يعيد الجنوب إلى زمن الرماد.
في خضم هذا الجحيم، قتل عاملان بين الآلات كما سقط عامل خضار كان يمر بعربته على الطريق العام. اختلط دمه بثمر الأرض، وكأن الأرض نفسها نزفت معه، لتصبح المأساة مجسدة في صورة واحدة تختصر كل الجنوب: الإنسان والتراب والحق المستهدفون جميعا.
لكن الأهداف الميدانية لم تكن سوى واجهة لأهداف سياسية أعمق. فالقصف على منطقة الجنوب اللبناني في المصيلح، المعروفة برمزيتها المرتبطة بدولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، لم يكن اختيارا اعتباطيا. كانت الرسالة واضحة: الضغط على رموز الجنوب السياسية ومحاولة إشعال فتنة داخلية لبنانية تحت غطاء عسكري. وفي خلفية المشهد، يدور تساؤل خطير: هل ثمة من أراد في كيان العدو «تعويض الخسارة في غزة» بتصعيد ميداني ضد لبنان؟
الرئيس اللبناني العماد ميشال عون أشار بوضوح إلى هذا المعنى قائلا:
«إن العدوان الإسرائيلي السافر ضد منشآت مدنية في الجنوب يثير القلق، لأنه يأتي بعد وقف الحرب في غزة. فهل هناك من يسعى للتعويض عن غزة بلبنان؟ وهل تحول الجنوب مجددا إلى ساحة استرزاق سياسي بالنار؟».
بدوره، أكد الرئيس الأستاذ نبيه بري أن هذا العدوان ليس على المصيلح وحدها بل «على كل لبنان، مسيحييه ومسلميه»، داعيا إلى الوحدة الوطنية في مواجهة العدوان، لأن «الدم اختلط بالدم، والعدو واحد لا يفرق بين طائفة وأخرى».
وعلى الرغم من الدمار، فإن الجنوب ما زال ينهض من تحت الركام، كما اعتاد منذ عقود طويلة من الحروب. جبل عامل، بذاكرته المجبولة بالبطولات، يثبت أن الحياة أقوى من الصواريخ، وأن بناء جدار بيت واحد في الجنوب يعتبر انتصارا أخلاقيا على آلة الحرب الصهيونية.

التحليل والاستنتاج

يمكن قراءة هذا العدوان الأخير من ثلاث زوايا مترابطة:
1- عسكريا: يمثل محاولة لإعادة فرض الردع الإسرائيلي المفقود بعد فشل الحروب السابقة على لبنان وغزة.
2 – سياسيا: رسالة إلى الداخل اللبناني، هدفها الضغط على القوى الوطنية عبر استهداف رموز الجنوب، وإظهار الحكومة في موقع العجز والانقسام.
3 – استراتيجيا: يأتي في سياق تصعيد إقليمي متعمد، قد يعكس خشية العدو الإسرائيلي من تحول لبنان إلى ساحة توازن ردعي جديد بعد الاتفاق في غزة، وبكل الأحوال يعكس إسلوبه الاجرامي الممعن في التاريخ لا سيما مع نشوء كيانه الحالي.
إن القصف على مشاريع الإعمار ليس سوى وجه آخر للحرب النفسية والاجتماعية في آن، هدفه تدمير إرادة البناء كما دمرت القنابل الحجر.
غير أن التجربة اللبنانية الطويلة تثبت أن الجنوب، كلما ضرب، ازداد تماسكا، وكلما أريد له أن ينكسر، ازداد صلابة.

التوقعات

المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالين متوازيين:
١ – تصعيد محدود ومدروس لإبقاء التوتر في لبنان وسيلة ضغط على محور المقاومة.
٢ – انفراج ميداني نسبي إذا استقرت التفاهمات حول غزة وبدأت ترتيبات التهدئة الإقليمية.
ختاما، من المؤكد أن الجنوب اللبناني، بما يمثله من قيم رمزية ووطنية وإنسانية تاريخية وحالية، لن ينهزم. لأن في كل حجر من ترابه ذاكرة مقاومة، ولأن في كل جرح من جراحه وعدا بالحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce