اقلام حرة

دولة فلسطين درَّة الشرق الأوسط الجديد

دولة فلسطين درَّة الشرق الأوسط الجديد
لا شىء يتقدم على هذا التسونامي الدولي للإعتراف بدولة فلسطين، إحدى عشرة من دول الإتّحاد الأوروبي اعترفت حتى الآن بالدولة الفلسطينية بالإضافة إلى بريطانيا وكندا وأستراليا. تغيّر العالم قبل أن يتغير الشرق الأوسط الذي يبدو عصياً على التشكل دون قيام دولة فلسطينية. وقد يكون أهم ما تغيّر في معاهدة سايكس بيكو هو التحوّل الكبير في العقل الغربي نحو العالم العربي.

إن أبلغ وأعمق رد على السقوط الأخلاقي لإسرائيل في نظر الغرب وعلى الإعتراف بالخطأ التاريخي المرتكب هو إعلان بريطانيا رسمياً أول من أمس الإعتراف بدولة فلسطين بعد 108 سنوات من وعد بلفور. وقد يكون في إعلان نائب رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد لامي» أمام الأمم المتحدة في تموز/يوليو المنصرم ـــــــــ «أن هناك بعداً تاريخياً لخطة لندن الإعتراف بدولة فلسطين، نظراً إلى الدور المحوري الذي اضطلعت به بريطانيا في قيام دولة إسرائيل من خلال وعد بلفور عام 1917ــــــــــ أكثر من اعتراف بالمسؤولية التاريخية وأكثر من إعتذار.
إنقلبت كل المقاييس وتغيّرت المواقف في لحظة تاريخية. يشهد مؤتمر «نيويورك 2» ـــــــــ المنعقد مع كتابة هذه السطور على مستوى القادة والزعماء وبشراكة سعودية – فرنسية، للدفع بحلّ الدولتين والإعتراف بالدولة الفلسطينية ــــــ مشاركة واسعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى جانب منظمات دولية وإقليمية مختلفة، في ظلّ تصاعد الزخم الدبلوماسي لصالح الإعتراف بفلسطين، مما قد يرفع عدد الدول المعترفة إلى 159 دولة من أصل 193 عضواً في المنظمة الدولية، من بينها 4 من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي (الصين وروسيا اعترفتا منذ العام 1988).

يُسجَّل للدبلوماسية العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية النجاح الكبير في إحداث هذا التحوّل في الرأي العام الغربي وفي تأمين هذا الحشد الدولي غير المسبوق، لمواجهة الهمجية الإسرائيلية التي تمعن في قتل الشعب الفلسطيني وفي إصرارها على التفاوض بالنار في لبنان وسوريا واليمن وفي إفشال كل المساعي العربية للتوصل إلى تسوية سياسية. هذا النجاح الدبلوماسي أفضى إلى «إعلان نيويورك» الذي اعتمد في 12 أيلول /سبتمبر بأغلبية 142 صوتاً حلّ الدولتين مع إقصاء حماس ومطالبهتا بإلقاء السلاح بـطريقة لا لبس فيها. لكن الهجوم الجوي الذي نفذه الطيران الإسرائيلي في 9 أيلول/ سبتمبر والذي تنصلت واشنطن من قدرتها على وقفه دفع بالدبلوماسية العربية لتقديم وجهها الآخر لمواجهة ما يمكن أن يذهب إليه الجنون الإسرائيلي.

لم تكن القمّة العربية والإسلامية التي عقدت في الدوحة في 15 من الشهر الجاري تكراراً لقمم سابقة. بدا للجميع أن دبلوماسية الاستيعاب والتهدئة غير ممكنة، وقد عبرّت كلمات المشاركين عن الرغبة في الذهاب إلى خيارات أخرى. خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن كل ما كان مألوفاً ليصف إسرائيل بالعدو وذلك للمرة الأولى منذ توقيع معاهدة السلام ما بين مصر وإسرائيل عام 1979، ،كما ألمح إلى إمكانية إلغاء إتفاقيات السلام واضعاً المنطقة أمام خيارين إما الإستقرار الذي يجب أن يكون نهج الجميع بلا استثناء، وإما خيار الإنفجار الذي سيضر الجميع دون استثناء أيضاً.

لكن المتغيّر الكبير كان في توقيع اتّفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان يوم 17 سبتمبر/أيلول 2025 في الرياض أي بعد القمّة بيومين وبعد الإعتداء على الدوحة بأسبوع فقط لتشكل نقطة تحوّل في معادلات الأمن الإقليمي في ظلّ تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية. تنذر إتفاقية الدفاع المشترك بإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل والموقف من سلوكها العدواني، وإعادة صياغة مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، لكنها تفتح مسار البحث عن شركاء يمتلكون أدوات ردع حقيقية، بما في ذلك القدرات النووية غير المعلنة. وفي هذا الخيار ما يستحضر إعادة النظر بتقاطعات الردع النووي وربما بتنامي الحضور الصيني في المنطقة، لا سيما أن الدولتين اختبرتا منذ الغزو السوفياتي لأفغانستان حدود التحالف الحرجة مع واشنطن ومخاطر البرغماتية التي لا تستند سوى لمصلحة واشنطن دون سواها.

وفي السياق عينه يبدو أن مصر لم تكن بعيدة كثيراً عن شركاء جدد. لم يتوانَ وزير الدولة للإنتاج الحربي المصري، محمد صلاح الدين مصطفى عن الإجتماع بسفير باكستان في القاهرة، عامر شوكت، مشيداً باتّفاقية «الدفاع الاستراتيجي المشترك» التي تمّ توقيعها بين المملكة العربية السعودية وباكستان ومعرباً عن تطلعه إلى عقد شراكات استراتيجية بين شركات الإنتاج الحربي والشركات الباكستانية التي تعمل في مجالات تصنيعية مماثلة بما يعود بالنفع على الجانبين.

كيف ستتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع كل تلك المتغيرات وهل ستندفع المنطقة نحو مزيد من العنف؟

تحمل إتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان رسائل ردع مزدوجة، موجهة إلى إسرائيل وإيران في الإقليم، وإلى الولايات المتحدة التي باتت الثقة بها محل مراجعة. يفتح الإتّفاق الباب أمام نقاشات معمّقة حول إذا ما كانت السعودية قد دخلت فعلياً تحت مظلة نووية غير معلنة، عبر شراكتها مع باكستان ويمنح الخليج أدوات جديدة للضغط والتوازن. يبدو الإتّفاق المذكور وكأنه أضحى الذراع العسكري للقمّة العربية الإسلامية التي تحوّلت بعد رفض قطر الإستمرار في لعب دور الوسيط إلى المفاوض الرئيس في غزة للتوصل الى تسوية سياسية تبدأ بوقف دائم لإطلاق النار.

من جهة أخرى، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في موقع محاولة الحد من خسائر نتنياهو التي بدأت بالهجوم على الدوحة واستكملت ببدء عملية إحتلال غزة. إذ يدرك ترامب أن موقفه من إعلان الدولة الفلسطينية كما تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للدول المعترفة بالدولة الفلسطينية وإستمراره في تدمير قطاع غزة أو في محاولات تفكيك الضفة الغربية وتحويلها إلى جزر متباعدة، لن تقوى على تغيير الحقائق ووقف ما يجري في نيويورك. ربما تحمل دعوة ترامب للإجتماع ببعض الدول المشاركة في القمّة العربية الإسلامية وتعهده بوقف الحرب في غزة محاولة لاستيعاب نتائج إعلان نيويورك واستعادة المبادرة بإرغام نتنياهو وحكومته على وقف النار والذهاب إلى طاولة المفاوضات.

يبدو أنَّ سحر الإنتقال إلى الشرق الأوسط الجديد قد انقلب على الساحر الأميركي. لقد صدق ترامب أن سايكس بيكو قد انتهت وأن هناك شرق أوسط جديد لكن ما لم يدركه الساحر الأميركي أن دولة فلسطين هي درّة هذا الشرق الجديد.

العميد الركن خالد حماده – اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce