أخبار دولية

سياسة الأمن القومي الباكستانية: رفض الاصطفاف وبحث عن تعاون

سياسة الأمن القومي الباكستانية: رفض الاصطفاف وبحث عن تعاون

لا يمكن قراءة توقيع معاهدة الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان على أنه مجرد ردّ مباشر على قصف الدوحة من قبل إسرائيل، أو كنتيجة ظرفية مرتبطة بحدث سياسي محدّد. فالعلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين تمتد إلى سبعينيات القرن الماضي، وتشهد على تاريخ طويل من التعاون. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل السياق الإقليمي الذي جاء فيه هذا الاتفاق: تحوّل السياسات الأميركية، تصاعد العدوانية الإسرائيلية، بروز الصين لاعباً وازناً في موازنة النفوذ الأميركي، وتوجيه رسائل واضحة إلى إيران والهند وربما تركيا. الاتفاق لا يعكس انفصالاً عن الولايات المتحدة، التي يُفترض أنها على اطّلاع كامل بتفاصيله ولم تعارضه، بقدر ما يجسد توجهاً نحو إعادة توزيع أوسع لموازين القوى في المنطقة.

 

هذا التطور يأتي في إطار تحولات أعمق في جنوب آسيا. فمنذ مطلع الألفية، راهنت واشنطن على الهند لتكون ركيزتها الاستراتيجية في مواجهة الصين، وعززت شراكتها معها عبر الاتفاق النووي المدني والتعاون في التكنولوجيا والدفاع. لكن نيودلهي تمسكت بمفهوم “التعددية القطبية”، وحافظت على علاقاتها مع موسكو وبكين، حتى مع اندلاع حرب أوكرانيا واستمرار تعاملها مع روسيا وإيران، ما أثار استياءً أميركياً متزايداً.

 

أما علاقة الولايات المتحدة بباكستان، فبقيت متأرجحة بين التعاون والقطيعة. فقد لعبت إسلام آباد دوراً محورياً في حرب أفغانستان بعد 11 سبتمبر، لكنها وُجهت إليها اتهامات بدعم طالبان، وزاد مقتل أسامة بن لادن داخل أراضيها من حدة التوتر. وفي عهد ترامب الأول، وصلت العلاقة إلى قطيعة بعد وقف المساعدات العسكرية عام 2018، قبل أن يعاد فتح القنوات لإنجاح مفاوضات الدوحة التي مهدت للانسحاب الأميركي من كابول.

 

مع عودة ترامب إلى السلطة عام 2025، انقلب المشهد مجدداً. فقد أثنى على باكستان بعد اعتقال أحد قادة “داعش–خراسان”، وتفاخر بوساطته لوقف مواجهة بينها وبين الهند، وصولاً إلى استقبال قائد الجيش الباكستاني في البيت الأبيض. في المقابل، شدّد لهجته ضد نيودلهي، وفرض عليها رسوماً جمركية مرتفعة، ما عزز من عداء الهند لباكستان ودفعها إلى تصعيد الضربات والاغتيالات داخل أراضيها. هذا المسار دفع باكستان لتعميق تحالفها مع الصين، حتى بات معظم تسليحها يأتي من بكين، فيما أظهرت قدرتها على صد الغارات الهندية باستخدام تقنيات محلية وصينية وغربية معاً.

 

أمام هذه التطورات، وجدت الهند نفسها في مأزق استراتيجي يهدد طموحاتها بأن تكون قوة عظمى، بينما طرحت باكستان سياسة أمن قومي جديدة عام 2022 ترفض الاصطفاف في المعسكرات المتصارعة، وتدعو إلى تحويل مشاريع الربط الإقليمي إلى ساحات تعاون بدلاً من المواجهة. هذه المقاربة فتحت الباب أمام فرص اقتصادية كبرى، سواء عبر الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني أو استثمارات محتملة في قطاع المعادن، بما يجعل باكستان نقطة التقاء بين واشنطن وبكين.

 

لكن ما يضاعف أهمية هذا المسار هو ارتباطه المباشر بالخليج. فالاتفاق الدفاعي مع السعودية لا يقتصر على كونه ترتيبات ثنائية، بل يمثل مدخلاً لإعادة توزيع أوسع للتحالفات الإقليمية، تتجاوز ثنائية الصراع بين واشنطن وبكين أو التنافس التقليدي بين الهند وباكستان، ليعيد رسم الخريطة الأمنية والاقتصادية للمنطقة بأسرها.

تابعونا على واتسب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce