إقتصاد

ودائع محتجزة وخطط غائبة… اللبنانيون يدفعون ثمن الانهيار

ودائع محتجزة وخطط غائبة… اللبنانيون يدفعون ثمن الانهيار

لم تنهِ ست سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان معاناة المودعين العالقين أمام أبواب المصارف. أبو زياد، الذي ادّخر أكثر من مئة ألف دولار خلال مسيرته المهنية، لا يستطيع اليوم أن يسحب سوى 800 دولار شهرياً، بالكاد تكفي ثمن دواء زوجته. يقول بغصّة وهو يلوّح بدفتر حسابه: «ادّخرت العمر كله، واليوم أتسوّل وديعتي».

 

حال أبو زياد ليست استثناءً، فآلاف المودعين يعيشون المشهد نفسه، يقتاتون على تعاميم مصرف لبنان التي تحدّد سقوفاً شهرية للسحب. مريم، أم لطفلين، تتسلّم 400 دولار فقط بموجب التعميم، مبلغ لا يغطي حتى فاتورتي الكهرباء والهاتف، فيما تبقى أقساط المدارس والكتب والقرطاسية همّاً ثقيلاً يرهقها كل شهر.

 

منذ خريف 2019 تحوّلت ودائع اللبنانيين إلى أرقام مجمّدة على كشوفات الحسابات. المصارف أقفلت أبوابها ثم فرضت قيوداً غير رسمية، قبل أن يبدأ مسلسل التعميمات. فصدر التعميم 151 عام 2020، الذي أتاح السحب بالدولار لكن بالليرة وبأسعار متدنية، ثم تبعه التعميم 158 عام 2021 الذي سمح بسحب 400 دولار نقداً و400 بالليرة شهرياً ضمن سقف محدد، وأُطلق لاحقاً التعميم 161 الذي أسّس لمنصة «صيرفة». في 2024 جاء التعميم 166 ليستهدف الحسابات المستثناة، بسقف يبدأ بـ150 دولاراً شهرياً، وصولاً إلى 400. ومع بداية 2025 رُفعت السقوف، فبات التعميم 158 يسمح بـ800 دولار شهرياً، لكن التعميم 169 شدّد القيود وأخضع أي سحب إضافي لموافقة مسبقة من مصرف لبنان.

 

هذه السياسات لم تُنقذ أموال الناس. قبل الأزمة، بلغت الودائع بالدولار نحو 125 ملياراً، إضافة إلى 55 ملياراً بالليرة. اليوم تقلّصت إلى نحو 90 ملياراً فقط، بحسب الباحث محمد شمس الدين، الذي يشير إلى أن المودعين خسروا ما يقارب 35 مليار دولار، فضلاً عن تآكل شبه كامل للودائع بالعملة الوطنية.

 

ورغم خطورة الأرقام، تستمر السياسة في رمي كرة النار. النائب وضاح الصادق يقول إن أموال المودعين «لم تعد موجودة فعلياً» بعدما تبخّرت في سياسات الدعم والفساد، معتبراً أن لو أُقرت خطة منذ 2019 لكان بالإمكان إنقاذ جزء من الأموال. أما القوانين التي أقرّها البرلمان، مثل رفع السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف، فيراها غير كافية من دون خطة واضحة ومحاسبة فعلية.

 

الطبقات الفقيرة هي الأكثر تضرراً. أبو سامر، سائق الأجرة، يروي كيف تحولت ودائعه إلى «قطّارة»، ليضطر للعمل لساعات إضافية فقط لتأمين إيجار المنزل. المحامي علي عباس يرى أن الأزمة كشفت عن تمييز صارخ، حيث تمكن أصحاب النفوذ من تهريب أموالهم إلى الخارج، فيما تُرك صغار المودعين تحت رحمة تعاميم أكلت مدخراتهم بسعر صرف متدنٍ.

 

ست سنوات مرّت، والمشهد لم يتغيّر: مودعون على أبواب المصارف، ومصارف تنتظر إشارات من مصرف لبنان، وسياسيون يتقاذفون المسؤوليات. وحتى منتصف 2025، لا يزال صندوق النقد يحذّر من أن إعادة هيكلة المصارف أولوية لا تحتمل التأجيل، فيما الحل الجذري يبتعد أكثر مع كل يوم من المماطلة السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce