متفرقات

دفاتر الموت في سجون الأسد: هل تكشف الوثائق الحقيقة الغائبة؟

دفاتر الموت في سجون الأسد: هل تكشف الوثائق الحقيقة الغائبة؟

 

أحدث سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي تحولاً كبيراً في ملف السجون والمعتقلين، بعدما تمكّن ناشطون وباحثون ومنصات متخصصة من الوصول إلى كمّ هائل من الوثائق الأمنية والعسكرية التي يُعتقد أنها تكشف تفاصيل دقيقة عن الإعدامات والمعتقلين ودفن الجثث وأرقام الضحايا. غير أن هذه الوثائق، رغم أهميتها، لا تزال تثير جدلاً واسعاً حول صحتها ومدى إمكانية الاعتماد عليها كأدلة دامغة.

 

الوثائق التي ينشرها “أرشيف الثورة السورية”، بإشراف الناشط تامر تركماني، أظهرت محاضر رسمية لعمليات إعدام تعود إلى عام 2014، تبدأ بقرارات وزير الدفاع وتستند إلى قانون العقوبات العسكري. وتشير التفاصيل إلى أن عمليات الإعدام كانت تتم شنقاً في الساعة الرابعة فجراً داخل سجن صيدنايا العسكري، بعد نقل المحكومين إليه قبل يوم من التنفيذ. وتوضح الوثائق دور قائد المنطقة الجنوبية في الإشراف المباشر على العملية، بدءاً من نصب المشانق فجراً وحتى التنفيذ بحضور لجنة خاصة.

 

في موازاة ذلك، برز ما يُعرف بـ”دفتر التحويل إلى المشفى” التابع لسجن صيدنايا، والذي يضم لوائح طويلة بأسماء السجناء المحالين إلى مشافي عسكرية مثل تشرين وحرستا. وتُظهر الأوراق أرقاماً باللون الأحمر وتواقيع أطباء ومشرفين عسكريين، بينهم الدكتور مجد والدكتور غسان والدكتور محمد والدكتور علي، إضافة إلى توقيع العقيد الركن محمود أحمد والملازم علي حبيب. هذه السجلات، الممتدة بين عامي 2014 و2016، تكشف عن مئات المعتقلين الذين توفوا داخل السجون ووُصفوا في الدفتر بعبارة “جثة”، أو آخرين أُدخلوا بسبب أمراض صدرية وهضمية أو إصابات مختلفة.

 

كما عُثر على وثائق أخرى تحمل مراسلات رسمية موجهة إلى الفرع 235 وإدارة الخدمات الطبية في مشفى حرستا، تتعلق بمصير معتقلين سوريين وغير سوريين قضوا نتيجة توقف القلب والتنفس، مع تحديد أماكن إيداع الجثث. وتحمل هذه الوثائق توقيع قائد الوحدة 215 باسم رئيس شعبة المخابرات.

 

مع ذلك، يشدد الخبير في شؤون السجون السورية جابر بكر، مؤلف كتاب الغولاك السوري، على ضرورة الحذر في التعامل مع هذه المواد. ففي حديثه إلى صحيفة “المدن”، اعتبر أن بعض الوثائق المنشورة قد تكون صحيحة بالفعل وتشكل سجلاً لعمليات تحويل المعتقلين أو وفاتهم، غير أن غياب النسخ الأصلية بأختامها وتواقيعها يضعف مصداقيتها. وأضاف أن الأختام والتواقيع الرسمية تبقى أهم عناصر التحقق من صحة أي وثيقة.

 

بكر أوضح أيضاً أنه اطّلع بنفسه بعد سقوط النظام على عدد من الوثائق التي تضمنت تفاصيل دقيقة حول محكمة الميدان والقضاء العسكري وإدارة الخدمات الطبية. وأكد أن هذه المواد، إذا ما جرى تحليلها وربطها بمحاضر الإعدامات وسجلات دفن الموتى، يمكن أن تمنح ذوي المعتقلين إجابات حول مصير أحبائهم ومكان دفنهم وهوية المسؤولين عن إعدامهم.

 

لكن المشكلة، بحسب بكر، تكمن في ضخامة الأرشيف الأمني الذي يمتد لعدة كيلومترات من الأوراق، وفي تعقيد البيروقراطية التي تدير هذا النظام الأمني. كما أن الجهات التي حصلت على الوثائق تفتقر إلى خطة منهجية لفهم البنية الداخلية لأجهزة الأسد الأمنية وتشابكاتها، فضلاً عن ضعف الخبرة في التعامل مع الأرشيف الضخم. ورغم أن هذه الوثائق قد تكون المصدر الأقرب إلى الحقيقة بشأن مصائر آلاف المعتقلين، إلا أنها لا تجيب عن جميع الأسئلة، خصوصاً أن الكثير من حالات القتل جرت خارج أي توثيق رسمي ولم تُسجل في هذه السجلات أصلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce