اقلام حرة

هل تصبح السويداء دولة مستقلة؟

هل تصبح السويداء دولة مستقلة؟

 

مساء الخميس الفائت، أصدر الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحِّدين الدروز، بياناً جديداً لم يحمل في جوهره أي تبدل عن مواقفه الأخيرة، بل أعاد تأكيد حق تقرير المصير بوصفه “حقاً مقدساً تكفله المواثيق الدولية”، متعهداً بمواصلة النضال لتحقيق مستقبل آمن وكريم وعادل.

 

المفارقة أن الهجري استخدم مراراً في بيانه مصطلح “الشعب الدرزي”، في إشارة واضحة إلى دروز السويداء حصراً، من دون أن يشمل الطوائف الدرزية الأخرى في لبنان أو فلسطين. ففي حين يتابع الشيخ موفق طريف مساعيه لدى الحكومة الإسرائيلية لدعم دروز سوريا من دون المطالبة بكيان منفصل، يبقى هناك افتراق علني بين زعامة آل جنبلاط في لبنان والهجري، إذ تمتلك الزعامة الجنبلاطية خبرة أوسع في السياسة والعلاقات الدولية، تتجاوز الأفق الضيق الذي يكرر الهجري خطابه من داخله.

 

البيانات الأخيرة، وما يتردد على ألسنة ناشطي السويداء عن الانفصال والطلاق النهائي مع دمشق، تفتح الباب على تساؤل مشروع: من وعد الهجري بدولة للدروز؟ السؤال ليس استنكارياً بقدر ما هو محاولة للبحث عن وقائع، لأن وجود وعود دولية – حتى وإن كانت مضللة – يبدّل مسار النقاش بالكامل.

 

غير أن الوقائع على الأرض لا تشير إلى مشروع دولي حاسم لإعادة رسم خريطة سوريا. التجربة السابقة مع بقاء النظام رغم انهياراته المتكررة تؤكد أن المجتمع الدولي يدير الأزمة أكثر مما يقرر نهاياتها. وقد يكون السيناريو الأقرب هو إبقاء البلاد في حالة “لا يقين”، سواء في السويداء أو في مناطق سيطرة “قسد”.

 

بعكس القضية الكردية ذات الإرث الممتد والتنظيم السياسي والثقافي الذي منحها مشروعية أوسع، لم يعرف التاريخ السوري الحديث “قضية درزية”. لا أحزاب، ولا تراكم أدبيات سياسية تؤسس لمشروع انفصال. بل إن خطاب الهجري الأخير يطرح إشكاليات أوسع: فهو يحصر الاستقلال بالسويداء، مستثنياً دروز ريف دمشق ومناطق أخرى، وكأن المطلوب تهجيرهم. وإلى جانب هذا التضييق الجغرافي، يوجّه شكره الصريح إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والأكراد والعلويين، في مقابل تغييب أي إشارة إلى متضامنين من المكوّن السني، بما يعكس خطاباً طائفياً يعيد إنتاج ما يُتهم به النظام نفسه.

 

الأخطر أن قيادة سياسية تُسند إلى مرجعية دينية ليست مؤهلة لحمل مشروع وطني. صحيح أن الهجري حاز شعبية حين وقف مع انتفاضة السويداء ضد الأسد بخطاب وطني جامع، لكن ذلك كان ظرفاً استثنائياً لا يصلح قاعدة دائمة. فشريحة واسعة من الدروز كانت جزءاً من الثورة منذ بدايتها، وطالبت بالحرية والخلاص من هيمنة رجال الدين.

 

في المحصلة، لا تبدو “الدولة الدرزية” أكثر من شعار معلَّق في الهواء. بقاء الوضع الراهن في السويداء يضعف أي إمكانية لمشروع سوري جامع، في حين أن تحطيم المحافظة أو إعادة إخضاعها للنظام سيتركها خارج المعادلة لسنوات طويلة. أما الاحتجاج الواسع ضد الأكثرية السنية، فسيظل في إطار “العتب السياسي” ما لم يتبلور في رؤية واقعية للمستقبل.

 

الأزمة الأعمق تكمن في غياب مشروع وطني سوري قادر على استيعاب الجميع. ومع استمرار الاصطفاف الطائفي من مختلف الجهات، تُفتح الأبواب أمام مزيد من الانقسام والفوضى. في زمن يشبه زمن التأسيس، لا مخرج من الدوامة إلا بالبحث عن مشروع جامع، لا بخطابات المشايخ ولا بأوهام الدول الطائفية الصغيرة، بل بطرح بدائل تتجاوز ما يريده اللاعبون الخارجيون، وتعيد للسوريين إمكانية التوحد من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce