
الدين والسيطرة على العقل: من “أفيون الشعوب” إلى هندسة الطاعة
د. محمد ترحيني
جريدة الحرة ـ بيروت
“الدين أفيون الشعوب”. هذه العبارة التي أطلقها كارل ماركس في القرن التاسع عشر ما زالت تتردد بصور مختلفة حتى يومنا هذا، في المجتمعات التي يغدو فيها الدين أكثر من مجرد معتقد شخصي، ليصبح بنية سلطوية تعمل على تنظيم، بل توجيه، سلوك الأفراد والجماعات. من منظور سوسيولوجي، لا يمكن التعامل مع هذه العبارة كشتيمة أيديولوجية للدين، بل كنقطة بداية لتحليل آليات الهيمنة الرمزية التي يمارسها الخطاب الديني على الوعي، الفردي والجمعي، ولتفكيك العلاقة بين الدين كأداة خطابية والمؤسسات الاجتماعية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.
الدين كنسق سلطوي لا شعوري
منذ بدايات الحضارة، ارتبط الدين بالسلطة: سلطة الآلهة كانت تترجم إلى سلطة الكهنة، وسلطة هؤلاء كانت تنعكس على شكل طاعة عمياء من القاعدة الشعبية. هذا الامتداد لم يكن بريئًا، بل منظّمًا؛ فالدين غالبًا ما كان يُستخدم لضبط الجماعات عبر تشكيل ضمير جمعي موحّد، قائم على الطاعة والتسليم، لا على النقد والتساؤل.
تعمل الأديان التقليدية، لا سيما الأديان الإبراهيمية، وفق آليات تربوية مغلقة: مقدّس لا يُمس، نصّ لا يُناقش، وسلطة تأويل محتكرة. بهذا المعنى، يتحوّل الدين إلى آلية لاختزال الأسئلة الوجودية الكبرى في أجوبة جاهزة، تمنع الإنسان من التفكير الحر. في هذا الإطار، تُمارس سلطة الدين نوعًا من “الاستعمار العقلي”، حيث يتم تدجين العقل لا ليُنتج معرفة، بل ليعيد اجترار النصوص بوصفها مطلقات.
من سلطة الآلهة إلى سلطة الكهنة
الطاعة باسم الله: كيف يُقنِع الدين الناس بعبوديتهم؟
من منظور ميشال فوكو، تعمل السلطة ليس فقط بالقمع بل عبر “إنتاج الذات الطائعة”. بهذا المعنى، الدين لا يقمع العقل فحسب، بل يُعيد تشكيله ليعتقد أنه “حر” في اختياراته، بينما هو يمارس طاعته بدافع “الإيمان”. يتم إنتاج الطاعة الدينية عبر مؤسسات (المسجد، الكنيسة، المدرسة، الإعلام) تغرس منذ الطفولة مفاهيم مثل “الحلال والحرام”، “الثواب والعقاب”، “النعيم والجحيم”، فيتحول الفرد إلى كائن خائف، هش، يطلب الأمان في حضن الطاعة لا في فضاء الحرية.
السلطة الدينية لا تعمل وحدها، بل تتكامل مع بنى اجتماعية وسياسية تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم. فالأنظمة الاستبدادية غالبًا ما تعقد تحالفًا ضمنيًا مع المؤسسة الدينية، بحيث توفر لها الشرعية مقابل الترويج للطاعة والتسليم. هكذا، يُنتج الدينُ خنوعًا اجتماعيًا يخدم الاستبداد السياسي، ويحوّل الانتهاك إلى “قضاء وقدر”، والفقر إلى “ابتلاء”، والظلم إلى “اختبار من الله”، وكلّ تفكير ناقد إلى “إلحاد” أو “زندقة”.
الدين كآلية قمع رمزي: من الخوف إلى الخنوع
في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الديني، يصبح من الصعب الفصل بين العقيدة والتربية. الطفل لا يختار دينه، بل يُجبر عليه ضمن نظام اجتماعي مغلق يُعيد إنتاج ذاته عبر الأسر والمدارس والطقوس الجماعية. بهذه الطريقة، لا يتشكل الدين كقناعة، بل كإكراه ناعم، يتسلل إلى اللغة، والعادات، والهوية، بل وحتى الخيال.
وفي هذا السياق، يمكننا الحديث عن “الرأسمال الرمزي” الذي تحدّث عنه بيير بورديو، حيث الدين يتحول إلى منظومة رمزية تمنح الشرعية لمن يمتلك أدوات تفسير النص، أي الفقهاء والرجال الدين، وتجرّد العامة من القدرة على مساءلة هذا النص أو تأويله. تتحول المؤسسة الدينية بذلك إلى “طبقة” تحتكر المعنى، وتدير الحياة الروحية والاجتماعية للمجتمع.
ومن هذا المنظور، فالدين لا يقف عند حدود الاعتقاد، بل يتجاوزها إلى تشكيل نمط حياة، بل ونمط تفكير. كلّ ما هو خارج النص يصبح موضع شبهة، وكلّ محاولة للخروج من المنظومة المغلقة تعتبر خيانة لله، والدين، والجماعة.
السلطة الدينية خوف وخنوع
لماذا ينجح الدين في السيطرة رغم العقلنة الحديثة؟
رغم التطور الكبير في مجالات العلم والفكر والفلسفة، ما زال الدين يحتل موقعًا مركزيًا في حياة الملايين، لا بل ويشهد أحيانًا تمددًا وانتعاشًا في لحظات الأزمات والانهيارات الاجتماعية. كيف نفسر هذا؟
الجواب لا يكمن في الدين كعقيدة، بل في الحاجة النفسية والاجتماعية التي يلبّيها. فالدين، بوصفه منظومة جاهزة للمعنى، يوفّر للفرد الطمأنينة في عالم مليء باللايقين. في مجتمع يعاني من التفكك، الفقر، والفساد، يغدو الدين ملاذًا، بل وهمًا ضروريًا، يمنح الإنسان تفسيرًا لآلامه ومعنى لمعاناته. وكما قال نيتشه: “الإنسان لا يحتمل عبء الحقيقة، لذلك يخترع له إلهًا يحميه من الواقع”.
إضافة إلى ذلك، فإن البنى الدينية قادرة على التكيّف مع الحداثة، عبر تبنّي أدواتها التقنية (الإعلام، المنصات الرقمية، التمويل) دون تبنّي منطقها النقدي. وهذا ما يجعلها قادرة على إعادة إنتاج خطابها المحافظ بشكل أكثر إقناعًا في عصر الصورة، فتنتشر الفتاوى على “التيك توك”، ويُسَوَّق للطقوس كأنها “أسلوب حياة”، وتُبَثُّ خطب الجمعة بجودة HD، بينما يُمنَع التفكير الحر باسم المقدس.
الحل لا يكمن في الإلحاد
من الأفيون إلى المقارعة: هل من مخرج؟
رغم هذا التشخيص القاتم، لا يمكن القول إنّ الدين يجب أن يُلغى أو يُنبذ، بل يجب أن يُعاد التفكير فيه بوصفه أحد منتجات التاريخ البشري، لا منتجًا إلهيًا خارج النقد. الدين، كما يقول أركون، هو مجال معرفي يجب مقاربته بأدوات العلوم الإنسانية، لا بمنطق التقديس. وهذا يعني الخروج من منطق الطاعة إلى منطق التأويل، ومن النقل إلى العقل، ومن التبعية إلى الحرية.
الحل لا يكمن في الإلحاد بالضرورة، بل في تفكيك العلاقة السلطوية بين الدين والسلطة، بين النص والمفسّر، بين المقدّس والسياسي. علينا أن نحرر الدين من الكهنة، لا أن نحرر العقل من الدين فقط. بمعنى آخر: علينا أن ننتقل من الدين بوصفه “أفيونًا” إلى الدين بوصفه “إمكانًا” للمعنى لا “إكراهًا” على الطاعة.
في النهاية، فإن الدين لا يُلغى بمرسوم، بل يُفكَّك بنقد شجاع، وبعقل حرّ، وبإرادة مجتمعية تتوق للخلاص من الخوف، ومن عبودية الطاعة. وحده الوعي النقدي، حين يتحرر من قداسة السلطة، قادر على إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والغاية، بين العقل والمطلق، بين الحرية والإيمان.



