
نعزيكي فيروز يا وجع أم لا ينتهي….بقلم: رئيس التحرير وفاء فوّاز
نعزيكي فيروز يا وجع أم لا ينتهي….بقلم: رئيس التحرير وفاء فوّاز
نعزيكي يا فيروز…
قد يفوق ألمك شهرتك اليوم، وحجم حب الناس لك، ذلك الوجع الصامت الذي يخفيه قلبك خلف صوتك الذي أسعد الملايين.
نعزيكي، أنتِ الأم التي خسرت زهرة عمرها، وابنها الذي كان نبض حياتها، وأيضًا حملت على كتفيها عبء طفل صامت يحتاج إلى حب لا ينضب.
ورغم بريق الأضواء ووهج الشهرة، تبقى أنتِ فيروز، المرأة التي لا يراها أحد إلا بصمتها، وألمها، وحنانها الأبدي.
نقف اليوم إلى جانبك، نشاركك الصمت، ونشاركك الحزن، ونحمل معك ذاك القلب الذي لم يتوقف عن النبض رغم كل الفقد.
في زحمة الأضواء والنجومية، وفي سحر الصوت الذي أسَر الملايين، يقبع قلب فيروز الصامت، حيث لا يعرفه أحد.
وراء كل نغمة، خلف كل لحن، يكمن وجع امرأة أم، أم فقدت زهرة عمرها، وأبنًا كان عالمها كله، وحملت على عاتقها عبء طفل صامت يحتاج إلى حب لا ينضب.
هذا هو الحزن الحقيقي، الحزن الذي لا يُرى، ولا يُسمع، لكنه يصرخ في صمت. فيروز ليست مجرد أسطورة غنائية، بل أم وجدت نفسها وحيدة بين فرح الجماهير وألم الفقد العميق.
قصة الأم التي تمنّت أن تكون جدة، لكن القدر حرَمها من هذا الحلم، ليُبقِيها أسيرة لذكريات وأحزان لا تنتهي.
ليست المأساة فقط في أن تفقد الأم أبناءها، بل أن تفقدهم وهي حية، بصمتٍ لا يحتمل النحيب ولا يسمح له بالبكاء.
فيروز، الصوت الذي ملأ العالم دفئًا، كانت طوال حياتها تمشي بصمتٍ بجوار حزن ثقيل لا تُحدّه الكلمات. شهرتها كانت أكبر من الحدود، لكن قلبها ظلّ مثقلاً بخسارات لا يعرفها الجمهور إلا همسًا.
فقدت فيروز ابنتها ليال، وكانت الأقرب إلى قلبها. فتاةٌ شابة، ناعمة كاسمها، انطفأت فجأة، وكأنها انسحبت من الحياة بهدوء، كما وُلدت فيها.
لم تخرج فيروز لتتحدث. لم تبكِ أمام الناس. احتفظت بليال داخلها، في عمق لا يُرى ولا يُكتب. ثم أُقفلت هذه الصفحة، ولكن الجرح ظلّ مفتوحًا لا يلتئم.
ثم جاء هلي، ابنها الذي وُلد بحالة صحية خاصة يعاني معها، لكنه ظلّ حيًا وصامتًا، تعتني به فيروز بنفسها بكل حب واهتمام، محافظة عليه كجزء من عائلتها وكيانها.
أما زياد، الابن الأكبر، والمثير للجدل، فكانت علاقته بها بين الحب والرفض، بين الانتماء والغضب. أحبّها بطريقته، وانتقدها بطريقته. حمل عنها الكثير، لكن ألقى عليها أيضًا الكثير.
جمعتهما أعمال فنية عبقرية، من “وحدن” إلى “كيفك إنت”، إلى المسرح السياسي الجريء. لم يكن زياد مجرد موسيقي؛ كان ظاهرة فكرية وثقافية، امتدّت من السياسة إلى السخرية إلى الحزن الحادّ.
لكن زياد أيضًا كان غريبًا في عالمه. اختار العزلة أحيانًا، والضجيج أحيانًا، لكن شيئًا في داخله كان دائمًا مكسورًا.
مرّ بأزمات شخصية عميقة، طلاق، قلق وجودي، عزلة فكرية. قال يومًا: أنا ما بدي عيش بلاها، حتى لو ما بنحكي… هي فيروز. وكانت هذه الجملة كافية لتشرح كم كان الحب بينهما هشًا، مؤلمًا، لكن عميقًا.
ثم رحل زياد. رحل فيروزها الذي بقي. الابن الذي رافقها بالفن، وواجهها بالرأي، وسكن قلبها رغم الجراح.
خسرت فيروز ابنتها، وها هي اليوم تدفن ابنها الذي ملأ الساحة وملأ قلبها ضجيجًا وحنينًا.
اليوم، رثاه اللبنانيون. بكاه الفنانون، ونعاه الرؤساء، وأضاءت صورته الشاشات. نعم، رثاه الجميع. لكن،
هل يشفي هذا قلبَ الأمّ الموجوع؟
هل تعوّض كلمات الحداد جرحًا عمره عقود؟
هل يُهدّى الصمت الذي كانت تمشي به، حين يأتي الحزن هذه المرة مدجّجًا بالفقد النهائي؟
فيروز، التي غنّت لكل الأمهات، صارت اليوم واحدة منهنّ… وحيدة، صامتة، مثقلة، تغنّي لنفسها فقط.


