
البوصلة الأميركية تتجه نحو سوريا
البوصلة الأميركية تتجه نحو سوريا
بقلم رئيسة التحرير: وفاء فواز
في خضم التحوّلات الإقليمية المتسارعة، تغيّرت أولويات واشنطن بشكل واضح، فتوجّهت أنظارها نحو سوريا، حيث تتكثف الاتصالات والمبادرات الأميركية لاحتواء أي تصعيد محتمل. أما لبنان، الذي كان يشغل حيزًا أساسيًا في السياسة الأميركية، فيبدو اليوم وكأنه خرج من دائرة الاهتمام. هذا التحوّل لا يُقرأ فقط في لغة المواقف، بل في غياب أي تجاوب فعلي مع المطالب اللبنانية، وفي تعاظم الحضور الأميركي في الملف السوري سياسيًا وأمنيًا، بينما يغرق لبنان في انقسامه الداخلي وتردده السياسي.
تحوّل في الأولويات: سوريا أولاً
التحركات الأميركية الأخيرة تؤكد أن الملف السوري بات أولوية متقدمة على جدول أعمال واشنطن في الشرق الأوسط. فمع كل مؤشّر على احتمال الانفجار في الداخل السوري، تُسارع الإدارة الأميركية إلى تفعيل قنواتها الدبلوماسية والاستخباراتية، سعيًا لاحتواء الوضع ومنع تفجّره، خصوصًا على خطوط التماس مع إسرائيل أو في مناطق شمال شرق سوريا والسويداء.
هذا الاهتمام الأميركي تجلّى بوضوح في تحرّكات الموفد الأميركي توم باراك، الذي، ورغم زيارته لبيروت، بقيت عيناه مركّزتين على دمشق. وبحسب مصادر مطّلعة، فإن باراك عمل خلال تلك الفترة على ترتيب لقاء مباشر بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس، بدعم ورعاية أميركيين، في محاولة لإعادة إحياء مسار تفاوضي خجول.
لبنان: في الهامش وتحت التهديد
في المقابل، يواجه لبنان حالة من التراجع في سلّم الأولويات الأميركية، وسط انطباع بأن الإدارة الأميركية باتت غير مهتمة بالملف اللبناني، أو أقلّه لا ترى فيه إمكانية لأي اختراق فعلي في ظل الانقسام الداخلي والتردد الرسمي. وتشير المعطيات إلى أن معظم الطروحات اللبنانية، خاصة تلك المتعلقة بوقف الخروقات الإسرائيلية أو تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية، لم تلقَ آذانًا صاغية في واشنطن أو تل أبيب.
وعلى الرغم من تفهّم باراك للمخاوف اللبنانية، إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يُبدِ أي استعداد لتقديم ضمانات، أو حتى للدخول في نقاش جدي حول وقف العمليات العسكرية والانسحاب من الجنوب اللبناني.
انقسام لبناني… وغياب القرار
في الداخل اللبناني، لم تثمر المقترحات المطروحة عن توافق سياسي. فقد انقسمت المواقف بين من يطالب بطرح الورقة الأميركية على مجلس الوزراء ومجلس النواب لمناقشتها بشكل شفاف، ومن يرفض حصر النقاش بالأطر الرسمية، مطالبًا بحوار أوسع لا يُهدّد التوازنات الداخلية. ويزداد المشهد تعقيدًا مع تمسّك حزب الله بسلاحه، ورفضه أي بحث فيه خارج إطار الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب وتنفيذ القرار 1701.
سيناريوهات مفتوحة ومخاوف متصاعدة
مع غياب القرار الداخلي وتفاقم الانقسام، تبقى كل الاحتمالات واردة. فالموقف الأميركي واضح: المطلوب خطوات عملية من لبنان لا مجرّد بيانات. وفي حال عدم التجاوب، ستتجه واشنطن نحو سحب يدها، أو ترك الساحة اللبنانية لمصيرها، في ظل تصعيد إسرائيلي متوقّع، وانشغال إقليمي بساحات أكثر أولوية، وفي مقدّمتها سوريا.
واشنطن لن تنتظر لبنان طويلًا. ومع استمرار الانقسام والتردّد في اتخاذ قرارات سيادية حاسمة، سيجد لبنان نفسه خارج أي طاولة، في وقت تُعاد فيه صياغة التوازنات الإقليمية انطلاقًا من سوريا. الخطر اليوم لا يكمن في تراجع الاهتمام فقط، بل في ما قد تفعله إسرائيل على الأرض في ظل غياب الردع السياسي، وانكفاء الحضور الدولي. الفرصة تضيق، ولبنان مهدّد بأن يصبح مجرّد تفصيل على هامش المشهد الإقليمي المتحوّل.



